كشف تحليل حديث لصور التقطتها الأقمار الاصطناعية عن استمرار سياسة إسرائيلية ممنهجة لتدمير مدينة غزة، برغم اتفاقية وقف إطلاق النار التي وقعتها حماس وإسرائيل في العام الماضي. فبينما كانت الهدنة تهدف إلى إعادة الاستقرار ووقف الدمار، أظهرت الصور استمرار عمليات الهدم في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وأحيانًا خارج الخط الأصفر المتفق عليه، بما يشمل أحياء مأهولة بالسكان وممتلكاتهم.
وفق صحيفة نيويورك تايمز، تم هدم أكثر من 2,500 مبنى منذ بدء الهدنة، في إطار ما وصفته إسرائيل بمحاولات “نزع السلاح” وملاحقة الأنفاق تحت الأرض. إلا أن هذه العمليات تسببت في محو أحياء كاملة وتحويل مساحات سكنية وزراعية إلى أراضٍ قاحلة، مع استمرار النزوح القسري لسكانها الأصليين.
انتهاك صارخ لاتفاقيات وقف النار
ويؤكد خبراء فلسطينيون وإسرائيليون سابقون أن عمليات الهدم ليست انتقائية، بل تمثل استراتيجية شاملة تهدف إلى فرض السيطرة على الأراضي، في حين يشير السكان إلى فقدان كل ما بنوه على مدى سنوات، وتحويل حياتهم إلى حالة من الخوف واللااستقرار. وبينما يصف المسؤولون الإسرائيليون الهدم بأنه ضرورة أمنية، يرى الفلسطينيون أن الأمر ينطوي على انتهاك صارخ لاتفاقيات وقف النار وحقوق المدنيين، مما يثير تساؤلات جدية حول الالتزام الدولي بمبادئ الحماية الإنسانية خلال النزاعات.
وكجزء من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في وقت سابق من ذلك الشهر، سحب الجيش الإسرائيلي قواته إلى ما وراء الحدود المتفق عليها داخل قطاع غزة، والممثلة على الخرائط التي نشرتها إسرائيل بخط أصفر. وبذلك أصبحت إسرائيل تسيطر على نحو نصف القطاع.
وتركزت معظم عمليات الهدم منذ بدء وقف إطلاق النار في تلك المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. لكن عشرات المباني دمرت خارج الخط الأصفر في مناطق تخضع فعليا لسيطرة حماس، حيث وافق الجيش الإسرائيلي على وقف عملياته. وفي صور الأقمار الصناعية التي التقطت بعد الهدنة بفترة وجيزة، يمكن رؤية تجمعات من المباني السليمة في حي الشجاعية، الذي يمتد على طول الخط الأصفر.
إسرائيل تسوي أحياء بأكملها بالأرض
وتظهر صور لنفس المنطقة بعد أشهر أنها تحولت إلى أرض قاحلة إلى حد كبير. كما تُظهر الصور تدمير عشرات المباني خارج الخط الأصفر، وفي بعض الحالات على بُعد يصل إلى 270 مترا. من المرجح أن العديد من هذه المباني كانت قد تضررت بشدة بالفعل بعد عامين من القصف الإسرائيلي. أظهر تقييم للأمم المتحدة أنه حتى 11 تشرين الأول/ أكتوبر، تضررت أو دُمرت أكثر من 80% من مباني غزة. ويعتقد أن سكانها نزحوا نتيجة أوامر الإخلاء المتتالية والقتال المحتدم.
ويقول مسؤولون إسرائيليون إن عمليات الهدم الواسعة النطاق تأتي في إطار جهود “نزع سلاح” غزة. ومنذ وقف إطلاق النار، زعموا أن الجيش دمر أنفاقا تحت الأرض كانت تستخدمها الجماعات المسلحة، وسوّى بالأرض مباني مفخخة. حسب صحيفة نيويورك تايمز.
وفي ذروة الحرب، التي اندلعت بعد هجوم حماس على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قدّر الإسرائيليون أن شبكة الأنفاق تمتد لمئات الأميال، وتضم آلاف المداخل. وقد استخدمت حماس هذه الأنفاق لتخزين الأسلحة وإخفاء الرهائن ونصب الكمائن للجنود الإسرائيليين.
ويرى كثير من الفلسطينيين في غزة أن إسرائيل تسوي أحياء بأكملها بالأرض، دون أدنى اعتبار لمن كانوا يسكنوها أو يملكون فيها عقارات. ونظرا لاتساع شبكة الأنفاق، يخشون أنه إذا حاولت إسرائيل هدمها بالكامل، فإن العديد من المباني المتبقية في المنطقة ستتعرض للخطر.
حجم الدمار المستمر صادم
وقالت نيفين نوفل، 35 عاما، التي كانت تسكن في الشجاعية قبل إجبارها على الانتقال، إنها شعرت بحزن عميق عندما علمت أن إسرائيل تهدم حيها. وأضافت: “لقد تحولت آمالنا وأحلامنا إلى أكوام من الأنقاض”.
وأضافت الصحيفة أن حجم الدمار المستمر صادم. ففي شرق غزة، في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، تظهر صور الأقمار الصناعية محو أحياء بأكملها منذ وقف إطلاق النار، فضلا عن مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وبيوت الزراعة البلاستيكية.
إسرائيل تمحو مناطق بأكملها من على الخريطة. الجيش الإسرائيلي يدمر كل شيء في طريقه: منازل، مدارس، مصانع، وشوارع. لا يوجد أي مبرر أمني لما يفعله ونقلت عن محمد الأسطل، المحلل السياسي المقيم في غزة قوله: “إسرائيل تمحو مناطق بأكملها من على الخريطة. الجيش الإسرائيلي يدمر كل شيء في طريقه: منازل، مدارس، مصانع، وشوارع. لا يوجد أي مبرر أمني لما يفعله”.
تنفيذ عمليات هدم على جانبي الخط الأصفر
وأقر مسؤول عسكري إسرائيلي طلب عدم الكشف عن هويته بأن الجيش ينفذ عمليات هدم على جانبي الخط الأصفر، لكنه نفى أن القوات البرية الإسرائيلية تجاوزت الخط للقيام بذلك. ولم تتمكن صحيفة “نيويورك تايمز” من التحقق من هذا الادعاء. وقال أيضا إن سلاح الجو الإسرائيلي كان يقصف منشآت تشكل تهديدا للجنود الإسرائيليين، وإن بعض هذه المنشآت تقع على مقربة من الخط الأصفر. وأضاف أن بعض الأنفاق تعبر خط الانسحاب، لذا فإن تفجيرها قد يتسبب في انهيار مبان على جانبيه.
وتشمل خطة الرئيس ترامب المكونة من 20 بندا لإنهاء حرب غزة، والتي شكلت أساس وقف إطلاق النار، على “تدمير جميع البنى التحتية العسكرية والهجومية، بما في ذلك الأنفاق ومنشآت إنتاج الأسلحة”. لكن إسرائيل وحماس اتفقتا أيضا على تعليق “جميع العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي”.
وسمح الجيش الإسرائيلي لصحيفة “نيويورك تايمز” بالاطلاع على تلك الخرائط، التي قال إنها أُعدت للجنود المنتشرين في غزة. ولم تتمكن الصحيفة من التحقق بشكل مستقل من دقة الخرائط.





