في غزة المدينة التي أنهكتها الحروب وطول الانتظار، كانت “رغد” ترسم ملامح مستقبلها بهدوء الواثقين؛ طالبة متفوقة تحمل في قلبها حلمًا مؤجلًا ورثته عن والدٍ غاب مبكرًا، وتؤمن أن الاجتهاد هو الطريق الأقصر لتحقيقه، لم تكن تعرف أن الطريق الذي خططت له بعناية سيتوقف فجأة، قبل أن تخطو أولى خطواتها نحو عام “التوجيهي” الذي انتظرته طويلًا.
رحلت “رغد” تاركة خلفها دفاتر ممتلئة بالطموح، ونتائج دراسية تروي قصة كفاحها، وأمنية بسيطة كانت تسكنها منذ طفولتها: أن تصبح طبيبة كما تمنى والدها يومًا. وبينما كانت العائلة تستعد لأفراح قادمة، استيقظت على فاجعة أطفأت حلمًا كان يكبر عامًا بعد عام، لتبقى قصتها شاهدًا على أحلامٍ كثيرة تنقطع قبل أن تبلغ وجهتها.
غارة تنهي أحلام رغد
ارتقت “رغد”، صباحًا، ليتوقف حلم الطب الذي طالما ناضلت لأجله، لتلحق بوالدها بعد سنوات، وخلفها عام مقبل، كانت قد حسمتْ أمرها، بأن تملؤه بدرجات الامتياز.
ومع انطلاق “رغد” نحو حلمها، بعد انتهاء عامها الدراسي بتفوق وبمعدل 99.3%، بالالتحاق بدروس “التوجيهي”، تسارعًا نحو حلم الطب، الذي استشهد والدها قبل تحقيقه، وهي طفلة، اختُطفت الفتاة، بشظايا صاروخ، وهي في ريعانها.
ليلة أمس، كانت “رغد” تجلس بين عائلتها وصديقتها المقربة “إسراء مروان”، تضحك وتمرح بجمال لافت، وكأنها كانت تتجمل لوداع لم يدركه المحبون إلا صباحًا. واستشهدت الطالبة رغد عاشور، خلال استهداف طائرات الاحتلال مركبة في شارع شركة جوال غرب مدينة غزة.
كانت ترغب في تحقيق حلم والدها
ولم تكن رغد مجرد طالبة عادية، بل كانت الفتاة الوحيدة لأمها بين خمسة أشقاء من الشباب، والمتفرقة بينهم، لدرجة أنها تعد لعام “التوجيهي” المقبل، منذ مدة. عاشت يتيمة الأب منذ أن كانت في العامين من عمرها، حيث استشهد والدها في مصر إثر مضاعفات مرضية وتليف أصابه أثناء رحلته هناك للدراسة والعلاج معًا.
تقول عمتها أم محمود “كبرت رغد ولم تكن تعرف ملامح والدها إلا من خلال الصور التي احتفظت بها، لكنها ورثت عنه حلمًا عظيمًا، أن تصبح طبيبة” وتضيف باكية “كانت تقاوم التعب، وتدرس باجتهاد منقطع النظير، وتناضل في دراستها، وحصلت على معدل 99.3 بالصف الحادي عشر قبل أيام، وبدأت بالاستعداد للتوجيهي العام المقبل، من الآن”. حسب وكالة صفا.
وبحرقة رددت “كانت تريد أن تحقق حلم أبوها، فهو شهيد علم، رحل وهو يدرس، قبل أن يحصل على شهادة الطب”.
صدمة استشهاد رغد
“خبر استشهادها صدمة عمري”، تقول الطالبة إسراء مروان، صديقتها المقربة، التي قضت مساء أمس لحظات جميلة معها. رغد كانت تخطط مع صديقاتها وتستعد لأجواء فرح ابنة خالتها المقرر يوم الإثنين، و”كانت مصرة على البقاء وقتًا أطول في لمة العائلة والأصدقاء”، تروي إسراء محاولة استيعاب الصدمة.
صديقتها “إسراء”، تقول “أي أحد آخر استشهد لعلني كنت سأتقبل الأمر، لكن الصدمة أن أستيقظ على خبر استشهاد رغد، وهي التي كانت عندي قبل ساعات قليلة تسهر وتضحك وكأنها تودعنا”. وتصف صديقتها الراحلة “كانت بنتًا لا مثيل لها في طيبتها، وحيويتها، وأخلاقها، وعلمها”.
الخبر وقع كالصاعقة، على والدة إسراء، التي ربّت يتيمتها بدمع العين والقلب، كانت تنتظر نتيجة ابنتها المتفوقة على أحر من الجمر، لتراها تخطو أولى خطواتها نحو حلمها، خاصة وأنها معروفة بتفوّقها الكبير، يقول خالها “بنت أختي رغد يتيمة، نحن من رباها، عاشت وماتت وهي تريد أن تكون مثل والدها “.




