بينما تتواصل أصداء الحرب في الميدان الأوكراني، تعود لغة التفاوض لتطفو مجددًا على السطح، حاملة معها قدراً كبيراً من الأمل المشوب بالحذر. مصادر روسية متعددة تحدثت عن توافق مبدئي على عقد جولة جديدة من المحادثات بين موسكو وكييف في مدينة إسطنبول، يومي 24 و25 يوليو الجاري، في مؤشر على أن القنوات الخلفية لا تزال تحتفظ بشيء من الحياة، رغم الانهيارات المتكررة التي شهدتها المبادرات السابقة.
التحضيرات لا تزال في طور التنسيق، بحسب ما كشفه أحد المصادر، بينما أكد آخر أن إسطنبول ستظل موقعًا دائمًا لهذا المسار التفاوضي الذي ترعاه تركيا في صمت، مراهنة على دور الوسيط المقبول من الطرفين. وإذا صحت هذه المؤشرات، فإن الجولة المرتقبة ستكون الثالثة من نوعها، بعد اجتماعين سابقين أسفرا عن نتائج محدودة، أبرزها صفقات تبادل الأسرى واستلام أوكرانيا جثامين عدد كبير من جنودها القتلى.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحدث بدوره عن تحرك جديد على هذا الصعيد، مشيرًا إلى أن رئيس وفده التفاوضي، أمين مجلس الأمن القومي روستم عميروف، هو من نقل إلى الجانب الروسي مقترح استئناف المحادثات خلال هذا الأسبوع. وفي خطاب مصوّر بثه عبر قناته على تطبيق “تلغرام”، بدا زيلينسكي حذرًا في انتقاء كلماته، ملتزمًا بخطابه التقليدي الذي يجمع بين الانفتاح على الحلول السياسية والتأكيد على ثوابت بلاده السيادية.
في المقابل، لا يبدو الكرملين أقل اهتمامًا بالمبادرة الجديدة، وإن بدا موقفه مرهونًا بإشارات أوضح من كييف. المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف أعلن أن موسكو مستعدة لجولة ثالثة من المحادثات، لكنها لم تتلق حتى الآن – بحسب تعبيره – أي مقترحات رسمية من الجانب الأوكراني، مضيفًا أن بلاده تنتظر ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات ملموسة.
السوابق التفاوضية بين الجانبين لم تكن مشجعة كثيرًا. فالمحادثات السابقة التي استضافتها إسطنبول، ورعتها أنقرة بصبر، لم تنجح في وضع حد للمواجهة العسكرية، لكنها تمكنت على الأقل من فتح نوافذ إنسانية محدودة، كتلك التي أفضت إلى تبادل الأسرى ونقل جثامين الجنود. كما جرى، في سياقها، تبادل أولي لصيغ مذكرات تفاهم تهدف إلى وضع خطوط أولية لتسوية شاملة، لكنها ظلت حبيسة النوايا دون أن تتطور إلى اتفاقات نهائية.
ورغم التصريحات الإيجابية المتناثرة من كلا الطرفين، فإن الرهانات لا تزال منخفضة. فالمعطيات على الأرض لا توحي بتغير جذري في توازن القوى، ولا تشير إلى وجود ضغوط خارجية فاعلة لإجبار الطرفين على تقديم تنازلات كبيرة. كما أن السياق الدولي – من انشغال الغرب بالانتخابات الأميركية إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط – يمنح الطرفين مساحة إضافية للمناورة بدل التنازل.
العودة إلى طاولة المفاوضات في إسطنبول، إن حصلت، قد لا تُحدث اختراقًا جذريًا، لكنها تشكل في حد ذاتها مؤشرًا على أن الباب لم يُغلق بالكامل. ويبدو أن كلا الطرفين، رغم التصعيد المتواصل، يتركان لأنفسهما هامشًا دبلوماسيًا ضيقًا يمكن التوسع فيه عند الضرورة. وما بين الواقعية السياسية وعبثية الحرب، تبقى المفاوضات أداة ضرورية، حتى وإن لم تكن وشيكة النتائج.






