في غزة، حيث اعتاد الأطفال أن يطلقوا طائراتهم الورقية فوق البحر وفي سماء القطاع، تحولت هذه اللعبة البسيطة إلى موضوع أمني وسياسي بعد أن وضعتها إسرائيل ضمن قائمة الأفعال التي تقول إنها تهدد أمنها.
وفي تطور لافت، تبنّى مسؤول في “مجلس السلام” الذي تقوده الولايات المتحدة ويشرف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، توصيفاً إسرائيلياً لإطلاق الطائرات الورقية من غزة، معتبراً إياه جزءاً من “الأنشطة المسلحة” التي ينبغي وقفها.
ويأتي ذلك في وقت لا تشير فيه المعطيات الميدانية المتاحة إلى أن الطائرات الورقية التي وصلت إلى مناطق إسرائيلية محاذية كانت تحمل متفجرات أو مواد حارقة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول حدود مفهوم “التهديد” الذي يمكن أن يبرر عملاً عسكرياً في مرحلة يفترض أنها تخضع لوقف إطلاق النار.
“جميع الأنشطة المسلحة يجب أن تتوقف”
قال مسؤول في “مجلس السلام”، خلال إحاطة لوسائل إعلام دولية وإسرائيلية، إن جميع الأنشطة المسلحة في غزة يجب أن تتوقف، بما في ذلك إطلاق الطائرات الورقية.
وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن المجلس نقل هذه الرسالة مباشرة إلى الأطراف من خلال الآلية المعتمدة لتنفيذ وقف إطلاق النار.
لكن المسؤول وضع في الوقت نفسه قيداً مهماً على الجانب الإسرائيلي، مؤكداً أن إسرائيل مطالبة بدورها باحترام الاتفاق.
وقال إن العمل العسكري الإسرائيلي يجب ألا يتجاوز الرد على “تهديدات حقيقية ووشيكة”.
وهنا تظهر المفارقة: فبينما يضع المجلس إطلاق الطائرات الورقية ضمن الأنشطة التي ينبغي وقفها، فإنه يربط في الوقت ذاته أي رد إسرائيلي مشروع بوجود تهديد حقيقي وفوري.
شكوى إسرائيلية.. وتصعيد في الخطاب
جاء موقف المجلس بعد شكوى إسرائيلية بشأن طائرات ورقية قالت إسرائيل إنها وصلت خلال الأسابيع الماضية من قطاع غزة إلى مناطق إسرائيلية محاذية.
لكن بحسب المعطيات المتداولة حول الطائرات التي عُثر عليها، لم تسجل أدلة على أنها كانت تحمل مواد متفجرة أو حارقة.
ومع ذلك، تعاملت الحكومة الإسرائيلية مع الظاهرة باعتبارها قضية أمنية، إذ هدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس بتوسيع العمليات العسكرية في غزة إذا استمر إطلاق الطائرات الورقية أو البالونات والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل.
كما تحدث المسؤولان عن إمكانية استهداف الأشخاص الذين تعتبرهم إسرائيل مسؤولين عن إطلاقها، إضافة إلى إخلاء سكان فلسطينيين من مناطق تزعم إسرائيل أنها تُستخدم لإطلاق هذه الطائرات.
وبذلك انتقلت القضية من مجرد حوادث متفرقة إلى ورقة جديدة في خطاب التهديد الإسرائيلي تجاه قطاع غزة.
إسرائيل تتحدث عن “استفزاز”.. دون دليل على تنظيم حماس
ذهب مسؤول أمني إسرائيلي كبير إلى اتهام حركة حماس بتشجيع سكان غزة على إطلاق الطائرات الورقية بهدف “استفزاز إسرائيل”.
لكن لم تُقدم، وفق المعطيات الواردة، أدلة تثبت أن إطلاق هذه الطائرات يمثل نشاطاً منظماً تقوده الحركة.
وهذا التفصيل مهم في ظل محاولة إسرائيل ربط الظاهرة بحركة حماس، وبالتالي نقلها من إطار نشاط فردي أو شعبي إلى إطار أمني يمكن التعامل معه عسكرياً.
في المقابل، نفى مسؤول في حماس هذه الرواية، وقال لوكالة رويترز إن الحركة أبلغت وسطاء وقف إطلاق النار بأن إسرائيل تستخدم “ذرائع وهمية” لمواصلة الحرب على غزة.
وهكذا، تحولت الطائرات الورقية إلى روايتين متناقضتين: إسرائيل تراها جزءاً من نشاط مسلح يجب ردعه، بينما ترى حماس أنها ذريعة تستخدمها إسرائيل لتبرير استمرار العمليات العسكرية.
أطفال غزة يردون بطائراتهم إلى البحر
وبعيداً عن البيانات العسكرية والتصريحات السياسية، اختار أطفال في قطاع غزة التعبير عن موقفهم بطريقة رمزية.
فخلال وقفة احتجاجية على التهديدات الإسرائيلية بالتصعيد، ألقى أطفال طائراتهم الورقية في مياه البحر.
المشهد حمل رسالة واضحة: طائرات ورقية كانت بالنسبة إليهم جزءاً من اللعب، أصبحت اليوم مرتبطة بالتهديد بالحرب.
وفي قطاع أنهكته سنوات القتال والنزوح والدمار، تبدو المفارقة أكثر قسوة: حتى لعبة الأطفال باتت تدخل في حسابات الأمن والردع والتصعيد.
تحذير الأهالي.. حماية للأطفال
ومع تصاعد التهديدات الإسرائيلية، تحركت اللجان الشعبية التي تضم ممثلين عن منظمات محلية وجمعيات خيرية تدير مخيمات ومراكز إيواء في القطاع.
ودعت اللجان أولياء الأمور إلى منع أطفالهم من إطلاق الطائرات الورقية، محذرة من أن استمرار ذلك قد يعرضهم للخطر.
وقال مصدر في حماس إن الإعلان صدر بالتنسيق مع الحركة.
وأكدت اللجان في بيانها أن الهدف ليس تقييد الأطفال أو حرمانهم من حقهم في اللعب، وإنما حمايتهم من تبعات التهديدات الإسرائيلية.
وقالت إن هذه الخطوة تأتي في محاولة لحماية أطفال “سُلبت منهم أبسط حقوقهم في اللعب والأمان”.
وقف إطلاق النار أمام اختبار جديد
تكشف هذه القضية هشاشة الهدوء الذي يفترض أن يكرسه اتفاق وقف إطلاق النار.
ففي الظروف الطبيعية، لا يُفترض أن تتحول طائرة ورقية أطلقها طفل إلى قضية تهدد بإشعال مواجهة عسكرية جديدة.
لكن في غزة، حيث لا تزال خطوط التماس شديدة الحساسية، يمكن لأي حادث صغير أن يتحول إلى ذريعة لتصعيد أكبر.
ولهذا فإن الخلاف حول الطائرات الورقية يتجاوز الطائرات نفسها.
السؤال الحقيقي هو: ما الذي يُعد تهديداً عسكرياً في مرحلة وقف إطلاق النار؟
إذا كان إطلاق طائرة ورقية من دون متفجرات أو مواد حارقة يدخل ضمن “الأنشطة المسلحة”، فإن توسيع هذا التعريف قد يجعل مساحة الحوادث التي يمكن استخدامها لتبرير التصعيد واسعة جداً.
بين الردع وحماية الهدنة
يحاول “مجلس السلام” أن يوازن بين موقفين متعارضين: مطالبة غزة بوقف كل ما تصفه الآلية بالأنشطة المسلحة، والتأكيد في الوقت نفسه أن إسرائيل لا تملك تفويضاً مفتوحاً لاستخدام القوة.
لكن اختبار هذا التوازن لن يكون في البيانات، بل على الأرض.
فإذا توقفت الطائرات الورقية، قد تنتهي القضية مؤقتاً. أما إذا استُخدمت الحوادث المرتبطة بها لتبرير عمليات عسكرية جديدة، فقد تصبح هذه المسألة نموذجاً لما هو أخطر: تحويل خروقات محدودة أو حوادث رمزية إلى مدخل لإعادة إشعال الحرب.
وفي غزة، لا يحتاج الأمر إلى أكثر من شرارة حتى يعود القطاع إلى دائرة القصف.
وهكذا، فإن قصة الطائرات الورقية لا تكشف فقط عن حساسية الوضع بعد وقف إطلاق النار، بل تطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل الهدنة نفسها: هل تكون قواعدها واضحة ومتساوية على الطرفين، أم أن تعريف “التهديد” سيظل خاضعاً لتفسيرات مختلفة تسمح لكل طرف بتبرير خطواته؟






