يعيش العراق مرحلة حرجة تتقاطع فيها الأزمات السياسية مع التهديدات الإقليمية، وسط تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، واحتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة قد تعصف باستقرار البلاد الهش.
وفي الداخل، تتفاقم أزمة تشكيل الحكومة الجديدة، فيما تعجز وزارة المالية للشهر الثالث على التوالي عن صرف رواتب نحو 8 ملايين موظف ومتقاعد ومتعاقد في موعدها، بسبب شح السيولة وتراجع الإيرادات.
حكومة تصريف أعمال وأزمة صلاحيات
بعد مرور ثلاثة أشهر على الانتخابات البرلمانية، لا تزال القوى السياسية عاجزة عن الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة تخلف حكومة محمد شياع السوداني، التي تحولت دستورياً إلى حكومة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة.
هذا القيد القانوني يقيد قدرتها على اتخاذ قرارات مالية واقتصادية كبرى، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الاجتماعية مع تأخر الرواتب وتراجع الخدمات.
ويكمن جوهر الأزمة في الخلافات داخل البيت الشيعي والبيت الكردي بشأن المناصب السيادية، فقد رشحت قوى «الإطار التنسيقي» رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لرئاسة الحكومة، غير أن هذا الترشيح اصطدم برفض علني من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أعلن أن واشنطن لن تتعامل مع حكومة يقودها المالكي.
هذا الموقف وضع القوى الكردية في حرج، إذ إن انتخاب رئيس للجمهورية – وهو المنصب المخصص عرفاً للأكراد – سيعني تكليف مرشح الكتلة الشيعية الأكبر بتشكيل الحكومة، ومع استمرار الفيتو الأميركي، تريثت الأطراف الكردية في حسم اسم مرشحها، ما عمّق حالة الانسداد.
ورغم ذلك، يتمسك المالكي بترشحه، مبدياً استعداداً لتقديم ضمانات لواشنطن، ومذكّراً باتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة عام 2009 خلال ولايته. كما أبدى انفتاحاً على فكرة حصر السلاح بيد الدولة ودمج «الحشد الشعبي» ضمن مؤسسات الجيش، في محاولة لطمأنة الإدارة الأميركية بشأن النفوذ الإيران.
سيناريوهات الخروج.. بين التمديد والانتخابات
وفي ظل هذا الجمود، طُرحت عدة سيناريوهات، منها:
التمديد للحكومة الحالية لمدة عام مع منحها صلاحيات كاملة، ةتحديد مهلة زمنية ملزمة لانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، وانتظار قرار المحكمة الاتحادية بشأن دستورية استمرار الوضع الحالي، وعقد جلسة برلمانية مفتوحة لانتخاب رئيس للجمهورية من بين المرشحين المطروحين، أو الذهاب إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة جديدة، غير أن أياً من هذه الخيارات لا يبدو قريب التحقق في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية.
هرمز.. شريان النفط المهدد
ويتزامن الانسداد السياسي مع تصاعد المخاوف من اندلاع حرب إقليمية قد تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، المنفذ البحري الحيوي الذي تمر عبره غالبية صادرات النفط العراقية. وتشكل عائدات النفط أكثر من 90 في المائة من إيرادات الدولة، ما يجعل أي تعطيل للصادرات تهديداً وجودياً للاقتصاد.
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط فوق 70 دولاراً للبرميل يمنح متنفساً مؤقتاً لميزانية تعاني عجزاً متراكماً، فإن إغلاق المضيق قد يخفض العائدات السنوية من نحو 90 مليار دولار إلى قرابة مليار واحد فقط، وفق تقديرات متداولة، وهو سيناريو ينذر بانهيار اقتصادي وتداعيات اجتماعية خطيرة.
وعلى المستوى الأمني، أعلنت فصائل مسلحة، بينها «كتائب حزب الله» و«النجباء»، استعدادها للقتال إلى جانب إيران في حال اندلاع الحرب، وفتحت مراكز تطوع للراغبين في الانضمام. في المقابل، تحدثت «عصائب أهل الحق» و«كتائب سيد الشهداء» عن «حماية العراق» والاستعداد لمواجهة أي اعتداء.






