في خطوة تعكس حزم السلطات الكويتية في مواجهة ظاهرة الغش وتسريب الامتحانات، أصدرت محكمة جنح التمييز حكماً قضى بحبس رئيس “المطبعة السرية” بوزارة التربية لمدة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، على خلفية تسريب اختبارات الثانوية العامة، في قضية شغلت الرأي العام وأثارت قلقاً واسعاً في الأوساط التربوية.
ولم يكن المتهم بمفرده في قفص الاتهام، فقد أُدينت معه معلمة وموظفة أخرى بعقوبة الحبس لمدة ستة أشهر، مع تعهد بسيرتهما الحسنة لمدة سنتين، بعد ثبوت مشاركتهما في تسريب نماذج الاختبارات.
مطبعة سرية تتحول إلى مصدر تسريب
وفقاً للنيابة العامة، فإن المتهم الأول، بصفته رئيساً للمطبعة السرية في وزارة التربية، أقدم على إفشاء معلومات سرية تتعلق بأسئلة امتحانات الصف الثاني عشر – القسمين العلمي والأدبي – في اختبارات الفترة الثانية.
المعلومات التي يفترض أن تكون في غاية السرية، تم استخراجها من نماذج تالفة كانت مخصصة للإتلاف في “محرقة المطبعة”، ومن ثم تسليمها إلى المتهمتين لتحقيق مصالح خاصة.
التحقيقات كشفت أن هذا السلوك لم يكن مجرد خطأ إداري، بل أدى إلى ضرر بالغ بمنظومة التعليم، وضرب بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب عرض الحائط، ما أثار تساؤلات حادة حول مدى سلامة الإجراءات داخل المؤسسات التربوية.
تعديلات قانونية لمواجهة الظاهرة
رداً على تكرار مثل هذه الحوادث، قامت الحكومة الكويتية بإجراء تعديل حاسم على قانون الجزاء في يونيو الماضي، حيث تم تجريم كافة أشكال التورط في طباعة أو تسريب أو ترويج أسئلة أو إجابات الاختبارات في مرحلتي التعليم المتوسط والثانوي، سواء بهدف الغش أو الإخلال بالنظام التعليمي.
وينص القانون المعدل على عقوبات صارمة، تبدأ من الحبس لمدة لا تقل عن سنتين وتصل إلى خمس سنوات، بالإضافة إلى غرامات مالية تتراوح بين ألف وخمسة آلاف دينار كويتي، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
أحكام سابقة تؤكد جدية الدولة
الحكم الأخير ليس الأول من نوعه، فقد سبق أن أصدرت محكمة الاستئناف في يونيو الماضي حكماً بالسجن لمدة خمس سنوات بحق أربعة متهمين، بينهم شقيقان من فئة “البدون” ومواطنان كويتيان، إضافة إلى معلمة خامسة تم إيقاف تنفيذ العقوبة ضدها. وقد ترافق الحكم مع غرامة مالية تجاوزت 42 ألف دينار (ما يعادل 137 ألف دولار)، في قضية تسريب اختبارات الثانوية العامة لعام 2024.
وتشدد الكويت على أنها لن تتهاون مع أي محاولة للإخلال بنزاهة العملية التعليمية، حيث شملت العقوبات أيضاً حالات تعديل الدرجات أو الإجابات في غير محلها، والتي يعاقب عليها القانون بالحبس لمدة تصل إلى 7 سنوات، وغرامة قد تصل إلى 10 آلاف دينار.
رسالة واضحة: لا أحد فوق القانون
يرى مراقبون أن الإجراءات الأخيرة تمثل رسالة حازمة بأن الدولة ماضية في اجتثاث أي مظاهر فساد تؤثر على العدالة التعليمية. فمحاولات الغش لم تعد تُعامل كمخالفات بسيطة، بل كجرائم تؤثر على مستقبل الأجيال وتخل بميزان الثقة بين الطالب والمدرسة والمجتمع.
في ظل هذه التشريعات المشددة والأحكام القضائية المتتالية، تضع الكويت سقفاً قانونياً واضحاً، بأن حماية النظام التعليمي لم تعد خياراً بل ضرورة وطنية، وأن تسريب الأسئلة لم يعد “اجتهاداً فردياً”، بل جريمة مؤثّمة في نظر القانون.






