في الوقت الذي انشغل فيه العالم خلال الأشهر الماضية بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتداعياتها على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، تبدو الحرب في أوكرانيا وكأنها تستعد للعودة إلى واجهة المشهد الدولي.
فمع توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وانخفاض احتمالات المواجهة المباشرة في الشرق الأوسط، بدأت الأنظار تتجه مجدداً نحو الجبهة الأوكرانية، حيث لا تزال الحرب بين روسيا وأوكرانيا مستمرة دون مؤشرات واضحة على تسوية قريبة.
ويرى الكاتب والمحلل الفرنسي نيكولا بافيريز أن الاتفاق مع إيران قد يكون مجرد “سلام هش”، بينما تبقى الحرب الروسية الأوكرانية التحدي الاستراتيجي الأكبر الذي يواجه الغرب.
كيف غيرت إيران أولويات الغرب؟
منذ اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية، تحولت معظم الجهود الدبلوماسية والعسكرية الغربية نحو احتواء التصعيد في الشرق الأوسط.
وأدى إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط والتهديدات المتبادلة إلى استنزاف جزء كبير من الاهتمام السياسي والعسكري الذي كان موجهاً سابقاً لدعم أوكرانيا.
لكن الاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران أعاد قدراً من الاستقرار إلى أسواق الطاقة، وهو ما يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها هامشاً أوسع للعودة إلى التركيز على الملف الأوكراني.
لماذا تعتبر أوكرانيا أولوية استراتيجية؟
على عكس الأزمة الإيرانية التي ترتبط أساساً بأمن الشرق الأوسط والطاقة العالمية، ينظر الغرب إلى الحرب الأوكرانية باعتبارها قضية تمس مباشرة الأمن الأوروبي والنظام الدولي.
فالدول الغربية تخشى أن يؤدي نجاح روسيا في فرض واقع جديد بالقوة العسكرية إلى تشجيع نزاعات مشابهة في مناطق أخرى من العالم.
ولهذا السبب، لا يزال دعم كييف يمثل أحد أهم أهداف السياسة الغربية، رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة داخل العديد من الدول الأوروبية والأميركية.
زيلينسكي وترامب.. محاولة لإعادة بناء التوافق
أحد أبرز نتائج قمة مجموعة السبع تمثل في المحادثات التي جرت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وتركزت المناقشات على تعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية وتوفير المزيد من أنظمة الاعتراض والصواريخ المضادة للهجمات الروسية.
كما جرى بحث توسيع التعاون الصناعي العسكري، بما يسمح بإنتاج بعض المعدات الغربية داخل أوكرانيا أو بموجب تراخيص خاصة، بهدف ضمان استمرار الإمدادات العسكرية على المدى الطويل.
النفط الروسي يعود إلى دائرة الاستهداف
مع عودة مضيق هرمز تدريجياً إلى العمل وتراجع الضغوط على أسواق الطاقة، بدأت بعض الدول الغربية التفكير مجدداً في تشديد العقوبات على صادرات النفط والغاز الروسية.
فخلال الأشهر الماضية، حدّت المخاوف من نقص الإمدادات العالمية من قدرة الغرب على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد موسكو.
أما اليوم، فإن تحسن الوضع في الخليج قد يمنح واشنطن وحلفاءها فرصة لزيادة الضغط الاقتصادي على روسيا دون التسبب في صدمة جديدة لأسواق الطاقة العالمية.
هل انتهت أزمة الشرق الأوسط فعلاً؟
رغم التفاؤل الذي رافق الاتفاق الأميركي الإيراني، يحذر كثير من المراقبين من أن الوضع لا يزال هشاً.
فالتوترات في لبنان والعراق وسوريا واليمن لم تختفِ بالكامل، كما أن أي انهيار للاتفاق قد يعيد المنطقة بسرعة إلى دائرة التصعيد.
ولهذا يرى بعض الخبراء أن الحديث عن انتقال كامل للاهتمام من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا قد يكون سابقاً لأوانه.
حرب مؤجلة لا حرب منتهية
يعتقد بافيريز أن ما تحقق مع إيران لا يمثل سلاماً دائماً بقدر ما يمثل هدنة قابلة للاختبار.
أما الحرب في أوكرانيا، فهي لا تزال صراعاً مفتوحاً تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية.
ومن هذا المنظور، فإن الاتفاق مع طهران قد لا يكون نهاية لأزمة، بل خطوة تسمح للغرب بإعادة توجيه موارده وتركيزه نحو التحدي الذي يعتبره أكثر خطورة على المدى الطويل: المواجهة مع روسيا.




