لم تعد موسكو بحاجة إلى إرسال أرتال من الدبابات لاختبار تماسك حلف شمال الأطلسي. فالطائرات المسيّرة، والهجمات الإلكترونية، وأعمال التخريب، والتحركات الغامضة قرب البنية التحتية الحيوية، أصبحت أدوات كافية لإرباك العواصم الأوروبية ووضع آليات الردع الغربية أمام اختبار متواصل.
والسؤال الذي يزداد إلحاحًا في أوروبا ليس ما إذا كانت روسيا ستشن حربًا شاملة على الناتو، بل ما إذا كانت قادرة على تنفيذ ضربة محدودة أو عملية هجينة، ثم ترك الحلف يتخبط في تحديد طبيعتها والرد المناسب عليها.
وتأتي هذه المخاوف في وقت أفادت فيه تقارير حديثة بأن أجهزة الاستخبارات الأميركية باتت ترى احتمال قيام موسكو باختبار محدود لإرادة الناتو، وربما خلال خريف 2026، مع تركيز محتمل على الجناح الشرقي للحلف. لكن التقارير نفسها لا تعني أن غزوًا روسيًا لدولة عضو أصبح وشيكًا أو مرجحًا.
من الحرب التقليدية إلى «المنطقة الرمادية»
خلال السنوات الماضية، طورت روسيا ما يعرف بحرب المنطقة الرمادية؛ أي استخدام أدوات تقع تحت عتبة الحرب التقليدية، لكنها قادرة على إحداث أضرار سياسية وأمنية كبيرة.
وتشمل هذه الأدوات التجسس الإلكتروني، والتخريب، والتضليل، واختراق المجال الجوي، واستخدام طائرات مسيّرة لجمع المعلومات أو اختبار ردود الفعل.
وفي يوليو/تموز، أشار تحليل لمعهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى 144 حادثة لطائرات مسيّرة في 13 دولة أوروبية منذ أواخر 2024، بينها مواقع عسكرية ومنشآت نووية، مع مؤشرات على استخدام سفن مرتبطة بما يسمى «الأسطول الروسي الخفي» في عمليات الإطلاق أو الدعم.
وهنا تكمن خطورة هذا النوع من العمليات: فهي لا تمنح الخصم دائمًا دليلًا واضحًا يمكن أن يبرر ردًا عسكريًا مباشرًا.
تحذيرات أميركية ترفع مستوى القلق
أثارت تقارير صحفية هذا الأسبوع قلقًا جديدًا في العواصم الأوروبية، بعدما تحدثت عن تقييمات استخباراتية أميركية تشير إلى أن بوتين قد يحاول اختبار التزام دول الناتو بمبدأ الدفاع الجماعي عبر هجوم محدود.
وتتراوح السيناريوهات المطروحة بين هجوم إلكتروني أو عملية هجينة وبين توغل محدود في أراضي دولة عضو، مع تركيز خاص على بولندا ودول البلطيق.
لكن من المهم التمييز بين التحذير الاستخباراتي والإنذار بوقوع حرب. فالمعلومات المنشورة لا تقول إن روسيا قررت غزو دولة من دول الناتو، بل تتحدث عن احتمال أن تختبر موسكو حدود استعداد الحلف للرد. كما أن تقديرات أخرى ترى أن احتمال قيام روسيا بعملية عسكرية مباشرة ضد أراضي الناتو لا يزال منخفضًا على المدى القريب.
مطار لايبزيغ يكشف طبيعة الخطر
أحد أحدث المؤشرات على طبيعة التهديد جاء من ألمانيا، حيث عُثر في مطار لايبزيغ/هاله على طائرة مسيّرة مزودة بمتفجرات.
ووفق تقارير صحفية استندت إلى مسؤولين أميركيين، خلصت أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى أن الطائرة يُرجح ارتباطها بجهاز استخبارات روسي. ويُعد المطار مهمًا لعمليات النقل العسكري وإمدادات أوكرانيا، ما يزيد من حساسية الحادث.
لكن مثل هذه الوقائع تظل بحاجة إلى أدلة وتحقيقات رسمية قبل تحويلها إلى حكم نهائي بشأن المسؤولية الروسية.
المهم هنا أن التهديد لم يعد بالضرورة أن يأتي في صورة طائرة مقاتلة أو صاروخ باليستي؛ فقد تكون طائرة مسيّرة منخفضة التكلفة كافية لإغلاق مطار أو تعطيل حركة جوية أو إثارة حالة استنفار واسعة.
البحر أيضًا أصبح ساحة للمواجهة
ولا تقتصر عمليات المراقبة والضغط على المجال الجوي.
فالسفن الروسية تتحرك باستمرار في محيط البنية التحتية البحرية الأوروبية، بينما تراقب الدول الغربية سفنًا يُشتبه في ارتباطها بعمليات استخباراتية.
وكانت دراسة سابقة قد خلصت إلى أن سفنًا مرتبطة بالأسطول الروسي الخفي ربما استُخدمت كمنصات لإطلاق طائرات مسيّرة فوق مواقع استراتيجية أوروبية. وتثير هذه العمليات مخاوف خاصة بشأن الكابلات البحرية وخطوط الطاقة والمنشآت الحيوية.
وهذا يعني أن أوروبا تواجه خصمًا يستطيع العمل في الجو والبحر والفضاء الإلكتروني في الوقت نفسه، دون أن يضطر بالضرورة إلى إعلان الحرب.
«الرجل الأخضر الصغير» يعود من جديد
أخطر السيناريوهات التي يناقشها خبراء الأمن هو تكرار نموذج «الرجال الخضر الصغار»: عناصر مسلحة أو عملاء أو مجموعات محلية تتحرك دون شارات واضحة، وتسيطر على منشأة أو منطقة صغيرة، بينما تنفي موسكو أي علاقة مباشرة بها.
في هذه الحالة، لن تكون المشكلة العسكرية وحدها هي الأصعب.
سيواجه الناتو سؤالًا أكثر تعقيدًا:
هل وقع هجوم روسي بالفعل؟ ومن يقف خلفه؟ وهل يستدعي الهجوم تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الحلف؟
وكلما طال الوقت اللازم للإجابة عن هذه الأسئلة، ازدادت قيمة العملية بالنسبة إلى الجهة التي نفذتها.
الهدف ليس احتلال أوروبا
لا توجد مؤشرات جدية على أن موسكو تستعد لاحتلال دول البلطيق أو مواجهة شاملة مع الناتو في المدى القريب.
بل إن المفارقة أن روسيا نفسها تخوض حربًا ضخمة ومكلفة في أوكرانيا، ما يجعل فتح جبهة مباشرة مع تحالف يضم الولايات المتحدة ودولًا أوروبية عدة خيارًا بالغ الخطورة.
لكن موسكو قد لا تحتاج إلى ذلك أصلًا.
فالهدف المحتمل لعملية محدودة قد يكون اختبار شيء آخر: هل سيقف الحلف متحدًا عندما تكون الضربة صغيرة، غامضة، وقابلة للإنكار؟
وهنا تتحول وحدة الناتو نفسها إلى هدف استراتيجي.
نقطة ضعف الناتو: القرار الجماعي
القوة الأساسية للحلف هي أيضًا إحدى نقاط التعقيد فيه.
فالدول الأعضاء متفقة على مبدأ الدفاع الجماعي، لكنها ليست متطابقة دائمًا في تقدير مستوى الخطر أو في كيفية الرد عليه.
ولهذا فإن عملية محدودة في دولة صغيرة قد تخلق خلافًا بين من يطالب برد قوي وفوري، ومن يدعو إلى انتظار أدلة إضافية، ومن يخشى أن يؤدي التصعيد إلى حرب أوسع.
وهذه المساحة بين اليقين والشك هي بالضبط التي يمكن أن تحاول موسكو استغلالها.
الردع يحتاج إلى أكثر من الأسلحة
لهذا السبب، لا يكفي أن يمتلك الناتو طائرات ودبابات وصواريخ أكثر من روسيا.
الحلف يحتاج أيضًا إلى أن يعرف مسبقًا ماذا سيفعل عندما لا يكون واضحًا من بدأ الهجوم.
وتشمل الاستجابة المحتملة تحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية، وتطوير آليات أسرع لتحديد مصدر الهجمات، والاتفاق مسبقًا على سلسلة من الإجراءات التي يمكن اتخاذها قبل الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
فالردع لا يعمل فقط عندما يعرف الخصم حجم القوة التي ستواجهه، بل عندما يعرف أيضًا أن الحلف قادر على اتخاذ قرار سريع وموحد.
معركة الأعصاب قبل معركة السلاح
قد يكون الرهان الروسي، في نهاية المطاف، أقل ارتباطًا بالاستيلاء على الأراضي وأكثر ارتباطًا بإدارة الخوف والشك.
فإذا نجحت موسكو في جعل الأوروبيين يتساءلون بعد كل حادثة: هل كانت صدفة؟ أم تخريبًا؟ هل كانت روسيا؟ أم طرفًا آخر؟ وهل نرد أم ننتظر؟ فإنها تكون قد حققت جزءًا من هدفها دون إطلاق حرب شاملة.
وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة حساسة بالنسبة إلى الناتو.
فالتحدي الحقيقي أمام الحلف ليس فقط منع روسيا من عبور الحدود، وإنما منعها من الوصول إلى الخطوط الحمراء دون أن يعرف الحلف متى وكيف تم عبورها.
وفي هذه الحرب غير المعلنة، قد تكون المعركة الحاسمة أقل ارتباطًا بالدبابات والصواريخ، وأكثر ارتباطًا بسرعة اكتشاف الهجوم، ووحدة القرار، وقدرة الحلف على إقناع موسكو بأن اختبار تماسكه ستكون كلفته أكبر بكثير من أي مكسب سياسي محتمل.






