في تصعيد قانوني وسياسي غير مسبوق، لوّح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بإمكانية إحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية، على خلفية القوانين والإجراءات التي تستهدف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، وسط تحذيرات أممية من أن هذه الخطوات لا تمثل فقط خرقًا واضحًا للقانون الدولي، بل تشكل جزءًا من مساعٍ أوسع لتفكيك قضية اللاجئين الفلسطينيين وتقويض حقهم التاريخي في العودة، في وقت تواجه فيه غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث.
وقال غوتيريش في رسالة مؤرخة في الثامن من يناير (كانون الثاني) إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الأمم المتحدة لا يمكن أن تظل غير مبالية «بالإجراءات التي اتخذتها إسرائيل، والتي تتعارض تعارضاً مباشراً مع التزاماتها بموجب القانون الدولي. يجب التراجع عنها دون إبطاء».
حظر تزويد منشآت بالمرافق
وقالت الأمم المتحدة إن 9 من موظفي «الأونروا» ربما شاركوا في هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وأقالتهم. وتبين أيضاً أن أحد قادة «حماس» في لبنان كان يعمل لدى «الأونروا» قبل أن تقتله إسرائيل في سبتمبر (أيلول).
وكان البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) أقر قانوناً في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 يحظر على الوكالة العمل في إسرائيل، ويمنع المسؤولين فيها من الاتصال بالوكالة، ثم عدّل هذا القانون، الشهر الماضي، ليحظر تزويد منشآت «الأونروا» بالكهرباء أو المياه. واستولت السلطات الإسرائيلية كذلك على مقار «الأونروا» في القدس الشرقية، الشهر الماضي. وتعد الأمم المتحدة القدس الشرقية محتلة من قبل إسرائيل التي تعد المدينة بأكملها جزءاً من أراضيها. حسب وكالات.
ورفض سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون، رسالة غوتيريش إلى نتنياهو قالا: «نحن لسنا منزعجين من تهديدات الأمين العام؛ فبدلاً من التعامل مع تورط موظفي (الأونروا) الذي لا يمكن إنكاره في الإرهاب، يختار الأمين العام تهديد إسرائيل. هذا ليس دفاعاً عن القانون الدولي، وإنما عن منظمة ضالعة في الإرهاب».
محاولات لتمزيق الوكالة وتحويلها إلى مظلة شكلية
وتعهدت الأمم المتحدة بالتحقيق في جميع الاتهامات الموجهة إلى «الأونروا»، وطلبت من إسرائيل مراراً تقديم أدلة، لكنها قالت إنها لم تقدمها. وكانت محكمة العدل الدولية، وهي أعلى جهة قضائية في الأمم المتحدة، أصدرت في أكتوبر رأياً استشارياً قالت فيه إن إسرائيل ملزمة بضمان تلبية الاحتياجات الأساسية للمدنيين في غزة. وجاء رأي المحكمة بطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم 193 عضواً. وللآراء الاستشارية للمحكمة وزن قانوني وسياسي، لكنها ليست ملزمة، ولا تملك المحكمة سلطة إنفاذها.
وفي السياق ذاته، أكد مدير مركز “بديل” للدراسات الفلسطينية نضال العزة أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ضعف التمويل، بل في أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدفعان نحو استبدال “أونروا” بمؤسسات دولية أو محلية أخرى، مشيرًا إلى أن ما يُطرح اليوم “ليس إصلاحا إداريا بل محاولة لتمزيق الوكالة وتحويلها إلى مظلة شكلية بلا مضمون سياسي أو قانوني، تمهيدا لتجريد اللاجئين الفلسطينيين من الصفة الدولية لقضيتهم”. حسب الجزيرة نت.
وأشار العزة إلى أن السيناريو الثالث في التقييم الأممي الإستراتيجي ينص على نقل صلاحيات أونروا إلى الدول المضيفة، مثل الأردن ولبنان وسوريا، وذلك يعني فعليا “إنهاء الطابع الدولي لقضية اللاجئين وتحويلها إلى ملف إداري محلي خاضع للتمويل والسياسات الإقليمية.
حل القضية من جذورها
وأكد أن محاولة تطبيق اتفاقية 1951 على اللاجئين الفلسطينيين تنطوي على إعادة تعريف جوهرية لهويتهم القانونية، فبدلا من اعتبارهم لاجئين سياسيين لجوؤهم ناتج عن نزاع استعماري مستمر، سيكون التعامل معهم كلاجئين أفراد يبحثون عن مأوى مؤقت أو توطين بديل. “هذا التحول يخدم المشروع الإسرائيلي الأميركي الرامي إلى تقويض حق العودة وطمس الطابع السياسي الجماعي لقضية اللاجئين”. حسب الجزيرة نت.
في المقابل، أكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأميركية الدكتور رائد أبو بدوية أن “الهدف من استبدال أونروا بنظام الحماية المنصوص عليه في اتفاقية عام 1951 يتمثل في تفكيك الصفة الجماعية للاجئ الفلسطيني، وتحويله من حالة سياسية ذات طابع جماعي إلى حالة لجوء فردية ذات طابع إنساني وتقني”.
وأضاف أن أونروا تمثل منذ إنشائها عام 1949 الإطار الدولي الذي حافظ على الهوية الجماعية للاجئين الفلسطينيين وكرّس اعتراف المجتمع الدولي بحقهم التاريخي والسياسي في العودة، استنادا إلى القرار الأممي رقم 194، أما نقلهم إلى مظلة اتفاقية 1951 فيعني فقدان الاعتراف الدولي الجماعي بحق العودة، وتقليص الضغوط السياسية على إسرائيل لحل القضية من جذورها. حسب الجزيرة نت.





