تتجه الأنظار بشكل متزايد إلى الضفة الغربية التي تواجه أزمة اقتصادية متفاقمة تهدد مختلف مناحي الحياة، وبعيداً عن مشاهد المواجهات الميدانية، تتشكل أزمة أكثر عمقاً ترتبط بتآكل مقومات الاقتصاد الفلسطيني وتراجع قدرته على الصمود، نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجارة والعمل، إلى جانب الأزمات المالية التي تعصف بالسلطة الفلسطينية والقطاع الخاص على حد سواء.
وتحذر تقارير دولية من أن الاقتصاد الفلسطيني بات يقترب من مرحلة حرجة، مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع النشاط التجاري والاستثماري، وفقدان عشرات الآلاف من الفلسطينيين لمصادر دخلهم بعد إلغاء تصاريح العمل داخل إسرائيل. وبينما تتسع الضغوط المعيشية على الأسر والشركات، تتزايد المخاوف من أن يؤدي الانهيار الاقتصادي إلى تداعيات اجتماعية وسياسية أوسع، في وقت تتراجع فيه فرص التعافي وتتعمق التحديات المرتبطة بمستقبل التنمية والاستقرار في الضفة الغربية.
تقييد حرية الحركة واحتجاز الإيرادات الفلسطينية
العديد من الشركات الفلسطينية باتت تكافح من أجل دفع أجور العاملين والمقاولين والموردين، في حين شهد القطاع الخاص تراجعاً يُقدّر بنحو 50% في حجم الأعمال مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب، وهو ما يعكس تشديد القيود على الحركة، وتعطل سلاسل التوريد، وارتفاع مستويات عدم اليقين.
الإجراءات الإسرائيلية – حسب التقرير الدولي – مثل تقييد حرية الحركة، واحتجاز الإيرادات المالية الفلسطينية، والاستيلاء على الأراضي، لا تؤدي فقط إلى شلّ الاقتصاد الفلسطيني، بل تسهم أيضاً في تعميق حالة عدم الاستقرار “إن الظروف الاقتصادية اللازمة لأي مستقبل فلسطيني لا يقوم على الخضوع الدائم يتم تفكيكها بشكل منهجي”.
ويستند التقرير إلى مقابلات أُجريت مع رجال أعمال فلسطينيين ورؤساء بلديات ومسؤولين حكوميين، ويعرض تفاصيل الأزمة المالية التي تعصف بالشركات والأسر الفلسطينية والسلطة الفلسطينية المدعومة دولياً، والتي تتولى إدارة المدن والبلدات في الضفة الغربية المحتلة.
قيود صارمة على استخدام الأراضي
السياسات الإسرائيلية تعكس ما وصفه بـ”جهد منسق” يهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية ومنع قيام دولة فلسطينية، وهو هدف أعلنت عنه الحكومة الإسرائيلية بشكل متكرر. وعلى مدار عقود من الاحتلال العسكري الإسرائيلي، عانى الاقتصاد الفلسطيني من الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش والبوابات الأمنية التي تقيد حركة الأفراد والبضائع.
كما اعتمدت الأسر والشركات الفلسطينية بشكل كبير على فرص العمل المرتبطة بإسرائيل وعلى الواردات القادمة منها، في وقت واجهت فيه قيوداً صارمة على استخدام الأراضي والتجارة. ويعيش اليوم نحو 3.4 مليون فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، ويواجهون معدل بطالة يقارب 30%، في حين شهد الاقتصاد الفلسطيني انكماشاً حاداً منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة.
ومنذ نهاية عام 2023، ألغت إسرائيل تصاريح العمل الخاصة بمعظم الفلسطينيين الذين كانوا يعملون داخلها، والذين كان عددهم يقارب 200 ألف عامل. وبينما بررت السلطات الإسرائيلية القرار باعتبارات أمنية، فإن النتيجة الفعلية كانت حرمان الاقتصاد الفلسطيني من نحو 400 مليون دولار شهرياً، أي ما يعادل قرابة ربع الناتج الاقتصادي الإجمالي.




