في ظل استمرار الأزمات الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة، يتجدد مع قدوم فصل الصيف واقع أكثر قسوة يعيشه الأطفال الذين يجدون أنفسهم محاصرين داخل فراغ كبير، في ظل غياب المساحات الترفيهية والآمنة التي تتيح لهم اللعب والتفريغ النفسي، وبين خيام النزوح والمنازل المكتظة، تتقلص خيارات الطفولة الطبيعية، لتتحول الإجازة الصيفية من مساحة للراحة والاستمتاع إلى فترة طويلة من الملل والضغط النفسي.
وتزداد حدة هذه المعاناة مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الأسر، والتي تجعل من توفير أي أنشطة أو متنفسات ترفيهية رفاهية بعيدة المنال، في وقت تؤكد فيه شهادات الأهالي وخبراء اجتماعيين أن استمرار هذا الفراغ يترك آثاراً عميقة على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي للأطفال.
تقرير أممي يكشف واقع الطفولة في غزة
وتشير بيانات أممية حديثة إلى أن واقع الطفولة في قطاع غزة يزداد صعوبة. فقد أظهر “التقييم المرتكز على الأطفال في غزة” الذي نشرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، في مايو/أيار 2026 أن الأطفال الصغار يفتقرون إلى البيئات الآمنة والمحفزة الضرورية لنموهم، فيما يواجه الأطفال الأكبر سناً انقطاعاً مطولاً عن التعليم وتراجعاً في فرص النمو والتطور الاجتماعي والنفسي.
وأكدت “يونيسف”، أن غالبية أطفال غزة ما زالوا يعيشون آثار النزوح المتكرر والحرمان من الخدمات الأساسية، بينما تستمر الحاجة إلى توفير مساحات تعليمية وآمنة تساعد الأطفال على التعافي واستعادة جزء من حياتهم الطبيعية. فضلا عن أن نحو 800 ألف طفل في قطاع غزة ما زالوا يعيشون أوضاع نزوح قاسية، وأن برامج “العودة إلى التعلم” والمساحات الآمنة تبقى من أبرز الاحتياجات الإنسانية للأطفال.
من جانبها، أفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أنها قدمت مئات آلاف جلسات الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والنازحين خلال الفترة الماضية، في مؤشر على حجم الاحتياجات النفسية المتزايدة لدى الأطفال الذين يعيشون ظروفاً استثنائية ومستمرة.
روايات ميدانية توثق مأساة السكان
وميدانياً، قالت “أم خالد”، وهي أم لأربعة أطفال من مخيم النصيرات، أن أكثر ما يقلقها ويؤلمها خلال العطلة الصيفية هو عجزها عن توفير أي متنفس لأبنائها: “الأطفال يستيقظون صباحاً ولا يجدون شيئاً يفعلونه، لا توجد أماكن للعب ولا أنشطة منتظمة، وحتى الخروج البسيط أصبح يحتاج إلى مصاريف لا نقدر عليها، أشعر بالحيرة كل يوم وأنا أرى ساعاتهم الطويلة تضيع داخل المنزل أو في محيط المخيم”. حسب المركز الفلسطيني للإعلام.
وترى أن واقع أطفالهم الذي تحول للوقوف في طوابير المياه، والبحث عن طعام في التكيات الخيرية، لا يجب أن يستمر، مشددة أن من حق الأطفال أن يعيشوا طفولتهم بسلام.
أما “أبو عماد”، وهو أب لخمسة أطفال، فيشير إلى أن الأطفال باتوا يقضون معظم أوقاتهم بين الخيام أو المنازل المزدحمة، الأمر الذي ينعكس سلباً على صحتهم النفسية وسلوكهم: “الطفل بحاجة إلى حركة ولعب وأصدقاء ومساحات مفتوحة، لكن الواقع الحالي يحرم أبناءنا من أبسط حقوقهم، نلاحظ التوتر والملل والعصبية لديهم بشكل متزايد، ولا نملك حلولاً حقيقية”.
الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية
ورغم أن شاطئ غزة يمثل المتنفس الطبيعي الوحيد للكثير من العائلات قبل الحرب وبعدها، إلا أن الوصول إليه لم يعد خياراً متاحاً للجميع. “أم سالم” وتعيش في مخيم المغازي شرق المحافظة الوسطى، توضح أن مجرد التفكير في رحلة عائلية بسيطة إلى البحر أصبح أمراً مرهقاً مادياً.
وتقول: “تكلفة المواصلات وحدها تشكل عبئاً كبيراً على الأسرة، خصوصاً إذا كان عدد الأطفال كبيراً، أحياناً يطلب الأبناء الذهاب إلى البحر لكننا نضطر للاعتذار بسبب الظروف المالية وعدم توفر وسائل مواصلات آمنة ومريحة”.
ويشاركها الرأي الأب “سامر”، الذي يؤكد أن نسبة كبيرة من الأسر تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة تجعل الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية: “حين يكون دخل الأسرة بالكاد يكفي للطعام والاحتياجات الضرورية، تصبح أي رحلة ترفيهية رفاهية لا يمكن التفكير بها، الأطفال هم أكثر من يدفع الثمن”.
ويحذر مختصون اجتماعيون من أن استمرار الفراغ لدى الأطفال لفترات طويلة، خاصة في بيئة تعاني من الأزمات المتواصلة، قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط النفسية والسلوكية لديهم، ويزيد من مشاعر القلق والعزلة وفقدان الدافعية للتعلم والاندماج الاجتماعي. فضلا عن أن الأطفال يحتاجون إلى برامج وأنشطة منظمة ومساحات آمنة للعب والتفاعل، باعتبارها جزءاً أساسياً من حقهم في النمو السليم والدعم النفسي.




