منذ اندلاع الحرب على غزة قبل نحو عامين، والقيادة الفلسطينية تسعى بكل ما لديها من أدوات سياسية وقانونية لتثبيت رواية شعبها أمام العالم، وكشف حجم الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق المدنيين. ومع كل مجزرة جديدة، تزداد الحاجة إلى تحركات أكثر فاعلية على المستويين الإقليمي والدولي، وهو ما يظهر جليًا في بيانات المجلس الوطني الفلسطيني ومؤسسات السلطة المختلفة.
حشد الرأي العام العالمي
المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في حي الدرج بمدينة غزة، والتي راح ضحيتها عشرات الشهداء من النساء والأطفال، أعادت التأكيد على خطورة المرحلة، وأبرزت معاناة الفلسطينيين الذين تُركوا لمصيرهم وسط صمت دولي يوصف بـ“المريب”. هذا الموقف دفع القيادة الفلسطينية إلى تصعيد خطابها، ليس فقط عبر التنديد، بل من خلال الدعوة إلى تحرك دولي ملموس يترجم إلى آليات تحقيق مستقلة، ويضمن توفير حماية حقيقية للمدنيين.
التحركات الفلسطينية في هذا الإطار تتخذ أكثر من مسار. فمن جهة، هناك محاولات لحشد الرأي العام العالمي عبر المنابر الدولية مثل الأمم المتحدة، حيث يتم التركيز على إبراز الجرائم بصفتها “إبادة جماعية” و“تطهيرًا عرقيًا”، وهي توصيفات لا تأتي في سياق دعائي بقدر ما تستند إلى وقائع ميدانية موثقة، تتطابق مع تعريفات القانون الدولي. ومن جهة أخرى، تعمل المؤسسات الفلسطينية على الدفع نحو ملاحقة إسرائيل قضائيًا في المحاكم الدولية، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن ما يجري يشكل جرائم حرب تستوجب المحاسبة.
التوثيق المنهجي للانتهاكات
كما تسعى القيادة الفلسطينية إلى استثمار المواقف الأممية المساندة، مثل تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومفوض وكالة الأونروا فيليب لازاريني، حول الحصار ومنع دخول المساعدات الإنسانية، باعتبارها أوراق ضغط إضافية على الاحتلال. فالمعركة لم تعد محصورة في الميدان العسكري فقط، بل انتقلت أيضًا إلى فضاء القانون الدولي والرأي العام العالمي، حيث باتت صور الأطفال تحت الركام والناجين في الخيام مادة يومية تحرج الحكومات الغربية وتضعها أمام مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية.
القيادة الفلسطينية تدرك أن الاحتلال يحاول فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال التدمير والتهجير القسري، لذلك تركّز تحركاتها على التوثيق المنهجي للانتهاكات. فكل قصف على الأحياء السكنية، وكل استهداف للمدارس والمستشفيات، يتم جمع تفاصيله بالأسماء والأرقام والشهادات، حتى لا تضيع هذه الحقائق وسط ضجيج الحرب. هذا التوثيق لا يهدف فقط إلى إدانة إسرائيل في الحاضر، بل أيضًا إلى بناء ملف قانوني وسياسي متكامل يحفظ الذاكرة الفلسطينية، ويمنع طمس الحقيقة في المستقبل.
تفعيل أدوات الضغط الشعبي
وفي ظل تمرد الاحتلال على الموقف العالمي، تعي القيادة الفلسطينية أن رهاناتها لا يمكن أن تبقى محصورة في القرارات الدولية، بل تحتاج إلى تفعيل أدوات الضغط الشعبي والإقليمي، بما في ذلك تعزيز العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، وحشد المجتمع المدني العالمي، لتشكيل حالة رأي ضاغطة توازي حجم الكارثة التي يعيشها الفلسطينيون.
المجزرة في حي الدرج لم تكن مجرد حلقة إضافية في مسلسل العنف الإسرائيلي، بل جرس إنذار جديد للقيادة الفلسطينية كي تواصل معركتها على جبهات متعددة: فضح الجرائم، توثيقها، وتحويلها إلى قضايا رأي عام عالمي، بحيث لا يبقى الدم الفلسطيني مجرد رقم في نشرات الأخبار.




