على ركام بيت كان يومًا عامرًا بالحياة، يجلس «محمود حماد» كل فجر ممسكًا بغربال امتلأ بالرمال، لا ليُحضر طعامًا كما اعتادت نساء فلسطين، بل ليبحث عما تبقى من عظام أحبته، منذ أكثر من مئة يوم، يكرر المشهد ذاته بصبر موجع، ينخل الرمال «حبة حبة»، أملا في العثور على أثر يطمئن قلبه ويمنح شهداءه حق الوداع الأخير، فلم يعد الغربال أداة مطبخ، بل تحول إلى شاهد على فاجعة إنسانية، وعلى حرب قلبت المعاني وغيرت ملامح الأشياء.
محمود، الشاب الثلاثيني من حي الصبرة جنوب غرب قطاع غزة، فقد زوجته وأطفاله الستة، بينهم جنين لم يُكتب له أن يرى النور، إلى جانب أفراد آخرين من عائلته، حين سوى القصف الإسرائيلي منزله المكون من خمسة طوابق بالأرض
جثامين تحت الأنقاض بلا أسماء ولا قبور
هذه الحكاية ليست مجرد قصة فقد شخصي، بل مرآة لوجع جماعي يعيشه آلاف الفلسطينيين في غزة، حيث لا تزال آلاف الجثامين تحت الأنقاض بلا أسماء ولا قبور، وبينما ينشغل العالم بحساباته السياسية، يواصل محمود نخل الركام، لا بحثًا عن الماضي فحسب، بل دفاعًا عن الكرامة، ورسالة صامتة تقول إن في غزة بشرًا، لهم وجوه وأسماء وأحلام، ولن يبتلعهم الصمت ولا الركام.
على مدار أكثر من 100 يوم، يحاول «محمود» دون كلل أو ملل، البحث على رفات زوجته وأطفاله الستة تحت رمال منزله المدمر. يرتبط الغربال في الفكر العربي وخاصة الفلسطيني بصناعة طعام المفتول حيث تستخدمه السيدات لإزالة الشوائب من الطحين قبل طبخه، إلا أن حرب الابادة وتداعياتها الكارثية غيرت المفاهيم وقلبت الموازين، فبدلا من استخدامه في الطعام لجأ اليه الشاب محمود حماد للبحث عما تبقى من عظام أسرته المتناثرة هنا وهناك. حسب الشمس نيوز.
يعيش «محمود» في حي الصبرة جنوب غرب مدينة غزة بمنزل مكون من 5 طبقات، كان البيت مليئ بالحياة والضحكات؛ لكن بعد مرور نحو شهرين على بداية الابادة تحول المكان إلى كومة من الركام، دفن تحته رفات وأشلاء عائلته.
ذكريات مؤلمة للأب المكلوم
ورغم الأحزمة النارية التي تسببت بمسح عائلات كاملة من السجل المدني شمال ووسط وجنوب القطاع، قررت عائلة حماد البقاء داخل المنزل مهما كانت النتائج، وعدم الالتفات لأوامر جيش الاحتلال بالنزوح جنوب وادي غزة تحت تهديد النار. حسب الشمس نيوز.
يوم السادس من ديسمبر 2023، كان محمود جالسًا في البيت مع جميع أفراد أسرته، وقبل لحظات من الفاجعة، قرار المغادرة، إذ فاجأته زوجته بالقول: “أبو إسماعيل أشعر أن الشهادة اقتربت، ربما يأتينا الصاروخ من هذه الزاوية أو غيرها، ربما تحتضن الجنين وربما تنتشل أشلائنا”.
توقف محمود برهة من الوقت مستعيدً شريط ذاكرته وبدأ يردد كلام زوجته قبل أيام من الحادثة “يا رب يجي صاروخ واتفتفت أشلاء”، رفع محمود بأنامله طاقيته ومسح جبينه الممتلئ بالرمال قائلًا: “الحمد لله ربنا حقق أمنيتها ونالت الشهادة”. حسب روايته للشمس نيوز.
عاد محمود لسرد تفاصيل الفاجع، فما أن أدار قدميه صوب باب الخروج، ألقى نظرة مليئة بالشوق والحنين كأنها نظرة الوداع، وقال: “استودعكم الله، سنلتقي باذا الله”. في هذا الوقت من كل يوم يتردد محمود لبيت شقيقه الملاصق لبيته، ليستمع وأصدقائه لآخر التطورات الميدانية والسياسية عبر شاشات التلفاز والراديو.
رؤية بعد صلاة الفجر
دقائق معدودة فقط حتى أضاءت الدنيا بنيران الصواريخ، وبات محمود غير قادر على الحركة لسقوط الركام عليه، يقول: “سمعت صوت صاروخ نازل بسرعة، بعدها انهارت عليَّ الجدران وتطايرت البنايات من حولي”.
رغم القصف والدمار الهائل لم يفقد محمود وعيه، وبدأ يصرخ على زوجته وأطفاله، فلم يسمع سوى صدى صوته وصوت الجيران الذين هرعوا لانقاذ الجرحى، ونقل الشهداء. توجه محمود والمصابين لعيادات قريبة من منزله ولم يتوجه لمستشفى الشفاء، مشيرا إلى أن قوات الاحتلال كانت قد حاصرت مستشفى الشفاء الطبي ومنعت الدخول والخروج منه، وكانت تقتل كل من يقترب من المكان”.
أعاد محمود شريط ذاكرته قبل وقوع المجزرة بأيام قليلة، ليلفت الانتباه إلى رؤية حدثت له بعد صلاة الفجر حينها كانت زوجته عند بيت أهلها شمال القطاع، يقول: “رأيت زوجتي في المنام تقول لي يا رب اتقطع في بيتي شقف”، وبعد ساعات قليلة فقط كانت أم إسماعيل تطرق الباب، “عودتها كانت بُشرى أنها شهيدة”. حسب تصريحاته للشمس نيوز.
“كنت مصاب بنحو 20 كسر في أنحاء متفرقة من جسدي، وفي شهر نوفمبر 2024 بدأت استعيد عافيتي وتوجهت لمنزلي فوجدته عبارة عن كومة من الركام.. الأمر صعب جدا، نحو 400 طن من الركام فوق رفات زوجتي وأطفالي، لكن كنت مُصرَّا لاكرام أحبابي، فبدأت بأدوات بدائية -الكريك، الطورية، شاكوش ثقيل- فوجدت قدم شقيقي”، يروي محمود الحكاية وهو يشير باصبعه على ساحة المنزل.
رواية مأساوية لا يتحملها بشر
أزال محمود الركام الثقيل بعيدا عن منزله، وعبء الحجارة في أكياس فارغة ووضعها على حدود منزله، يلفت إلى أنه تمكن من انتشال شقيقه وزوجته وطفليه؛ لكنه توقف بعد اشتداد الحرب. مرت الأيام ثقيلة على محمود، وما أن دخل شهر نوفمبر 2025 حتى عاد ليكمل عمليات البحث عن الرفات، قائلا: “عثرت على ما تبقى من أطفال شقيقي، ودفنتهم جميعا في مقبرة، وعدت للبحث عن زوجتي واطفالي الستة”.
بعزيمة وثبات يكمل محمود الحكاية: “قبل الحادث بدقائق تركت زوجتي وهي حامل في الشهر التاسع في هذا المكان، وعندما بحثت هنا، عثرت على رفاتها ورفات الجنين”. الصعوبة التي واجهها محمود أنه كلما تعمق أكثر في الحفر باحثا عن رفات أطفاله وجد بعض الجدران وقد حرقت بالكامل يقول: “علامات الحرق في الجدران تدل على احتراق أطفالي وعدم العثور على رفاتهم مطلقا، لذلك اتجهت على غرفة الضيافة باحثا عن زوجتي الحامل وجنينها”.
عثرت على أجزاء من رفات زوجتي وجنينها، وكلما عثر محمود على الرفات توجه بها إلى الأطباء، قائلا: “كنت أتعرف على رفات أبنائي من العمر النسبي للرفات بعد استشارة الأطباء”.
10 آلاف جثمان تحت الركام
ولفت إلى أنه عثر على عظمة الجنين من الكتف الأيسر والأيمن، وبعد عرضها على الأطباء تأكد محمود أنها تعود للجنين. مضى نحو 100 يوم على عملية البحث التي بدأها محمود بأدوات بدائية وبجهد شخصي ذاتي، يقول والألم يعتصر قلبه: “تمكنت من انتشال زوجتي وأطفالي واخي وزوجته واطفاله وأكرمت دفنهم في مقبرة واحدة، لكن من يستطيع انتشال نحو 10 آلاف جثمان تحت الركام”.
وبصوت قوي يهز المكان: “هذا العالم ظالم يكيل بمكيالين، فمن أجل رفات جنود الاحتلال القتلة المجرمين، أدخل آليات ومعدات ثقيلة؛ لكن من ينظر لرفات جثث الألاف تحت الركام، القوي هو من يفرض قراره في غزة”.
وعن السبب الذي دفعه لاستخدام الغربال في البحث عن الرفات، أوضح حماد، لوكالة الشمس، أن حديث زوجته عن أمنيتها بالشهادة وتقطيع جسدها في سبيل الله أحد الأسباب التي دفعته لاستخدام الغربال “كنت أحاول البحث عن أي عظمة لارتاح نفسيا.. أنا سعيد جدا أن اولادى وزوجتي دفنوا تحت بيتي، كل يوم بعد صلاة الفجر اجلس على هذا الكرسي واتحدث معهم بشكل طبيعي كأنهم أحياء، لأن هذا الأمر يواسيني على ما فجعت به”.





