في تطور لافت يعكس تصاعد التوترات الأمنية، اضطر طاقم شركة أميركية مسؤولة عن تشغيل طائرات «F-16» إلى مغادرة قاعدة بلد الجوية شمال بغداد في العراق ، عقب سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت محيط القاعدة.
عملية الإجلاء نُفذت في ظروف وُصفت بـ«عالية المخاطر»، بعد تصاعد المخاوف على سلامة العاملين، رغم محاولات حكومية عراقية لإبقائهم داخل القاعدة.
وبحسب مصادر متعددة، جاءت عملية الانسحاب بعد تنسيق مع القوات الأميركية، واستغلال هدنة مؤقتة لتأمين نقل العشرات من الموظفين عبر طائرة شحن عسكرية إلى خارج البلاد.
هجمات من ثلاث جهات
ومنذ بداية مارس 2026، تعرضت القاعدة لسلسلة هجمات متكررة بطائرات مسيّرة وصواريخ، انطلقت من أكثر من محور، في نمط عملياتي متزامن غالباً خلال ساعات الليل.
ورغم أن معظم هذه الهجمات لم تُحدث أضراراً مباشرة في الطائرات أو المنشآت الحيوية، فإنها فرضت واقعاً أمنياً معقداً داخل القاعدة.
وأكدت مصادر أمنية أن أنظمة الدفاع الجوي في العراق نجحت في اعتراض عدد كبير من المسيّرات، لكن استمرار الهجمات خلق حالة من الاستنزاف والضغط النفسي على العاملين، خاصة الأجانب منهم.
وداخل القاعدة، سادت مخاوف بين المتعاقدين الأجانب من تكرار سيناريوهات سابقة شهدت انهيارات أمنية مفاجئة، أبرزها الهجوم على البعثات الأجنبية في ليبيا عام 2012.
هذه المخاوف دفعت كثيرين إلى المطالبة بالمغادرة الفورية، خاصة مع تزايد وتيرة الهجمات واتساع نطاقها الجغرافي.
في المقابل، حاولت جهات عراقية التقليل من حجم التهديد، مؤكدة أن العمليات اليومية داخل القاعدة مستمرة، وأن الأوضاع تحت السيطرة نسبياً.
خطر تحول «F-16» إلى خردة
ويمثل انسحاب الطاقم الأجنبي ضربة كبيرة لسلاح الجو العراقي، إذ تعتمد طائرات «F-16» بشكل شبه كامل على الدعم الفني والتشغيلي الخارجي.
ويرى خبراء عسكريون أن غياب هذه الكوادر قد يؤدي إلى توقف الطائرات عن العمل تدريجياً، وتحولها إلى مجرد معدات غير قابلة للاستخدام.
كما أن هذه الطائرات، منذ تسليمها للعراق، خضعت لتعديلات تقنية حدّت من قدراتها، ما زاد من اعتمادها على الدعم الأميركي في التشغيل والتسليح.
صراع خفي على «أسرار الطائرة»
وعلى مدار سنوات، شكّلت قاعدة بلد محوراً لصراع غير معلن حول الوصول إلى معلومات وتقنيات طائرات «F-16»، وتشير تقارير إلى محاولات متكررة من جماعات مسلحة لاختراق القاعدة أو التسلل إلى بياناتها، ضمن مساعٍ لفهم أنظمة التسليح والتشغيل.
ولم يكن هذا الصراع تقنياً فقط، بل حمل أبعاداً سياسية، في ظل تنافس على النفوذ داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية.
عزل القاعدة وإفراغها تدريجياً
وتُرجّح مصادر مطلعة أن الهجمات الأخيرة ليست أحداثاً معزولة، بل جزء من خطة أوسع تهدف إلى إفراغ القاعدة من الوجود الأجنبي وعزلها تدريجياً.
وبحسب هذه التقديرات، فإن الضغط المستمر على المشغلين الأجانب كان خطوة أولى لإخراجهم من المعادلة، تمهيداً لمرحلة جديدة.
سيناريو القيامة
وحذرت مصادر سياسية وأمنية من ما يُعرف بـ«سيناريو القيامة»، وهو تصور يشير إلى سعي فصائل مسلحة للسيطرة الكاملة على الأصول العسكرية الاستراتيجية في البلاد بعد انتهاء الحرب.
ويشمل ذلك احتكار القواعد الجوية، والمعدات المتطورة، ومفاتيح القرار العسكري، بدعم من نفوذ سياسي داخل مؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن ما يحدث في قاعدة بلد قد يكون نموذجاً مصغراً لهذا السيناريو، حيث يتقاطع الضغط العسكري مع تحولات سياسية أعمق.
معركة النفوذ مستمرة
وتكشف أزمة قاعدة بلد عن صراع معقد بين مؤسسات الدولة الرسمية والجماعات المسلحة، يتجاوز حدود الأمن إلى مستقبل السيطرة على القرار العسكري.
وفي ظل استمرار الهجمات وتراجع الدعم الخارجي، تجد الحكومة في العراق نفسها أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على أصولها العسكرية، ومنع انزلاقها إلى دائرة النفوذ غير الرسمي.






