منذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، انتقلت العلاقات بين الإمارات وإسرائيل من مستوى الاعتراف الدبلوماسي إلى شراكة اقتصادية وتقنية متسارعة شملت التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية. وقد تحولت دبي وأبوظبي إلى وجهتين رئيسيتين للشركات الإسرائيلية، بينما أصبحت الإمارات أحد أكبر الشركاء التجاريين لإسرائيل في العالم العربي.
غير أن هذا التقارب، رغم ما يحمله من فرص اقتصادية، أثار في المقابل جدلًا سياسيًا وأخلاقيًا واسعًا، خاصة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتصاعد الاستيطان، واستمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: هل يمكن فصل المصالح الاقتصادية عن الصراع السياسي؟
دبي… بوابة جديدة للشركات الإسرائيلية
ساهمت الرحلات الجوية المباشرة التي انطلقت بعد توقيع الاتفاقيات في فتح الباب أمام حركة رجال الأعمال والسياح بين البلدين، كما بدأت عشرات الشركات الإسرائيلية، خاصة العاملة في التكنولوجيا والابتكار، بإنشاء مكاتب لها في دبي وأبوظبي.
وتعتمد هذه الشركات على البيئة الاستثمارية الإماراتية للوصول إلى أسواق آسيا وأفريقيا والخليج، مستفيدة من الموقع الجغرافي للإمارات وشبكتها اللوجستية العالمية.
ومن الجانب الإماراتي، يمثل هذا التعاون جزءًا من استراتيجية تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، عبر جذب الشركات العاملة في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
تكامل اقتصادي… لكنه يثير تساؤلات
يرى مؤيدو التقارب أن العلاقة بين الجانبين تقوم على تكامل واضح؛ فإسرائيل تمتلك منظومة متقدمة في البحث العلمي والابتكار، بينما تمتلك الإمارات رؤوس أموال ضخمة وبنية مالية ولوجستية عالمية.
لكن منتقدي هذا الطرح يرون أن هذا التكامل لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الواقع السياسي، إذ إن توسيع التعاون الاقتصادي مع إسرائيل يمنحها مكاسب استراتيجية كبيرة في وقت تواجه فيه انتقادات دولية بسبب سياساتها في الأراضي الفلسطينية.
ويعتبر هؤلاء أن الاستثمار في الاقتصاد الإسرائيلي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قد يساهم في تعزيز قدراته الاقتصادية والتكنولوجية، وهو ما ينعكس على سياساته الإقليمية.
الشركات الناشئة… الاقتصاد يتقدم على السياسة
شهدت السنوات الأخيرة انتقال عدد متزايد من الشركات الناشئة الإسرائيلية إلى الإمارات، خاصة في مجالات الأمن السيبراني، والتكنولوجيا المالية، والتكنولوجيا الزراعية، والذكاء الاصطناعي.
كما أطلقت صناديق استثمار مشتركة لدعم شركات التكنولوجيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في خطوة تعكس تحول العلاقة من مجرد تبادل تجاري إلى شراكة استثمارية طويلة الأجل.
غير أن هذا التوسع يثير مخاوف لدى بعض الباحثين، الذين يرون أن التكنولوجيا الإسرائيلية، خصوصًا في مجالات الأمن السيبراني والمراقبة، قد تتحول إلى أداة لتعزيز النفوذ السياسي والأمني في المنطقة.
الذكاء الاصطناعي… ساحة المنافسة المقبلة
أصبحت أبوظبي ودبي من أبرز المراكز الإقليمية التي تسعى إلى قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي، وهو ما جعل التعاون مع الشركات الإسرائيلية يحظى باهتمام متزايد.
وتستضيف منصات مثل Hub71 شركات ناشئة من مختلف أنحاء العالم، بما فيها شركات إسرائيلية، في إطار سياسة تستهدف تحويل الإمارات إلى مركز عالمي للابتكار.
لكن هذا التوجه يثير نقاشًا حول مستقبل الاستقلال التكنولوجي العربي، إذ يحذر بعض الخبراء من أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الأجنبية، وخاصة في القطاعات الحساسة، قد يخلق تبعية استراتيجية يصعب تجاوزها لاحقًا.
اتفاقية التجارة الحرة… مصالح تتجاوز السياسة
شكّل توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) بين الإمارات وإسرائيل محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، إذ وفرت إطارًا لتوسيع التجارة والاستثمار وإزالة كثير من القيود الجمركية.
وتتوقع الجهات الاقتصادية استمرار نمو التبادل التجاري بين البلدين في قطاعات تشمل الخدمات اللوجستية والطاقة والصحة والأمن الغذائي والتكنولوجيا.
إلا أن هذا النمو الاقتصادي يتزامن مع استمرار التوترات في الأراضي الفلسطينية، ما يجعل العلاقة محل انتقاد من أطراف ترى أن تعميق التعاون الاقتصادي يقلل من تأثير الضغوط السياسية والدبلوماسية على إسرائيل.
القضية الفلسطينية… الغائب الأكبر
يرى منتقدو مسار التطبيع أن أكبر نقاط الضعف فيه تتمثل في تراجع حضور القضية الفلسطينية ضمن أولويات العلاقات الإقليمية.
ففي الوقت الذي تتوسع فيه العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، تستمر عمليات الاستيطان في الضفة الغربية، وتتواصل المواجهات العسكرية، دون أن ينعكس هذا التقارب على تحقيق تقدم ملموس في مسار التسوية السياسية.
ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن الرهان على أن يؤدي التطبيع الاقتصادي إلى دفع عملية السلام لم يحقق حتى الآن النتائج التي رُوج لها عند توقيع الاتفاقيات.
بين الواقعية السياسية والاعتبارات الأخلاقية
يدافع مؤيدو التقارب عن نهجهم باعتباره سياسة واقعية تستند إلى المصالح الوطنية، ويرون أن التعاون الاقتصادي لا يعني بالضرورة التخلي عن دعم الحقوق الفلسطينية، بل يمكن أن يفتح قنوات جديدة للتأثير والحوار.
في المقابل، يرى منتقدون أن أي تعاون واسع مع إسرائيل في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان يمنحها شرعية سياسية واقتصادية، ويضعف أدوات الضغط الدولية الرامية إلى دفعها نحو تسوية عادلة.
ويؤكد هؤلاء أن تحقيق الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يعتمد على الشراكات الاقتصادية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى معالجة جذور الصراع وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
مستقبل العلاقة… بين المكاسب الاقتصادية والتحديات السياسية
من المرجح أن يستمر التعاون الإماراتي الإسرائيلي في التوسع خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالمصالح الاقتصادية والتكنولوجية المشتركة.
لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرته على التكيف مع المتغيرات السياسية في المنطقة، خصوصًا في ظل استمرار النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وتصاعد الانتقادات الشعبية والرسمية في عدد من الدول العربية والإسلامية.
وفي النهاية، يبقى التقارب بين الإمارات وإسرائيل أحد أبرز التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، إلا أنه سيظل موضع نقاش بين من يراه نموذجًا للتعاون الاقتصادي العابر للخلافات، ومن يعتبره شراكة تمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية دون أن تقترن بتقدم موازٍ في معالجة جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.






