تكشف الشهادات الصادرة عن أحد عناصر الأمن الأميركيين الذين شاركوا في تأمين مراكز توزيع المساعدات في قطاع غزة عن صورة مروعة لممارسات العنف وسوء المعاملة التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون في تلك المواقع، والتي من المفترض أن تكون محطات إنقاذ لا ساحات إذلال. فالرجل، الذي خدم في الجيش الأميركي، عبّر عن صدمته من حجم القوة المفرطة المستخدمة ضد الجموع الجائعة، ما دفعه لترك العمل احتجاجًا على ما وصفه بالسلوك “غير الأخلاقي” الذي شاهده بأم عينيه من قبل زملائه الحراس.
انتقادات حقوقية وأممية
هذه الإفادة، التي بثتها القناة 12 الإسرائيلية، تضع تحت المجهر نموذج توزيع المساعدات الذي تديره ما تُعرف بـ”مؤسسة غزة الإنسانية” الأميركية، والتي بدأت أنشطتها في مايو/أيار الماضي عبر أربع نقاط رئيسية، في تل السلطان ومحور نتساريم. غير أن هذا النموذج، الذي وصفته الأمم المتحدة صراحة بأنه “غير محايد”، أثار سلسلة من الانتقادات الحقوقية والأممية، ليتحول من حلٍ إنساني إلى جزء من المشكلة، ومن وسيلة للنجاة إلى “مصيدة موت” بحسب وصف وكالة الأونروا.
ما يزيد الوضع مأساوية هو أن مراكز التوزيع أُنشئت بعيدًا عن المناطق السكنية، وهو ما يرغم المدنيين على قطع مسافات طويلة وسط مناطق الصراع، حالمين بوجبة تسد جوعهم أو تسكت صراخ أطفالهم. ورغم أنهم يصلون إلى المكان بعد معاناة، يُستقبلون بالرصاص لا بالماء والطعام، كما تشير شهادات مباشرة من الميدان.
اعتراف الجيش الإسرائيلي
ليس من قبيل المصادفة أن تمتنع الأمم المتحدة عن المشاركة في هذه الآلية منذ انطلاقتها، فقد حذّرت مبكرًا من غياب الشفافية، ورفضت دعم منظومة وصفتها بأنها تُدار بعيدًا عن المعايير الإنسانية. الأونروا بدورها نددت بهذا النموذج، مشيرة إلى أن الآلية القائمة تُذلّ الفقراء وتعرض حياتهم للخطر، بدلًا من أن تحفظ كرامتهم وتلبي احتياجاتهم.
وفي هذا السياق، أتى اعتراف الجيش الإسرائيلي ذاته بأن المدنيين الفلسطينيين تعرضوا للأذى في تلك المواقع، في ما بدا وكأنه محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، خصوصًا مع تصاعد التوثيق الدولي للحالات الإنسانية الكارثية في القطاع. لكن هذا الاعتراف، رغم أهميته الرمزية، لا يُغير من حقيقة أن “مراكز الإغاثة” هذه تُدار خارج أي إشراف أممي أو حقوقي، ويكتنفها الغموض من حيث التمويل والضوابط الأخلاقية والإنسانية.
استخدام الإغاثة في الصراع العسكري
إن توظيف المساعدات كوسيلة للسيطرة والضغط، أو تحويلها إلى ساحة عنف تمارس فيها الإهانات على الفقراء والمحتاجين، يشير إلى مستوى خطير من استخدام أدوات الإغاثة ضمن سياق الصراع العسكري والسياسي. ومما لا شك فيه أن هذا النمط –الذي بات موثقًا بشهادات عناصر أميركية من داخل المنظومة– يؤكد أن التجويع لم يعد مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل أصبح أداة مركزية ضمن منظومة الحصار والإبادة الجماعية التي تتعرض لها غزة.
وبينما يواصل العالم مشاهدة الكارثة من خلف شاشاته، يستمر نزيف الكرامة والحياة في قطاع خُذل من المنظومة الدولية، حتى في أكثر لحظاته عطشًا للإنصاف والرحمة.






