يشير البيان الصادر عن برنامج الأغذية العالمي إلى حالة إنسانية مأساوية وغير مسبوقة في قطاع غزة، تتفاقم يوماً بعد يوم نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي والتضييق على دخول المساعدات الإنسانية. التحذيرات الأخيرة التي أطلقها البرنامج تسلط الضوء على كارثة إنسانية تتجاوز حدود النقص الغذائي إلى مستوى حقيقي من المجاعة، يذهب ضحيته الأبرياء، ولا سيما الأطفال والنساء.
انهيار النظام الإنساني
الوضع كما صُوِّر في البيان يتسم بانهيار شبه كامل للنظام الإنساني، حيث أصبح الحصول على الغذاء معركة يومية قد تنتهي بالموت. نحو 90 ألف طفل وامرأة يعانون من سوء تغذية حاد، بينما تُحرم شريحة كبيرة من المواطنين الفلسطينيين من الطعام لأيام متتالية، ما يعكس صورة واضحة عن فشل المجتمع الدولي في تأمين الحد الأدنى من الحماية للسكان المدنيين في زمن الحرب.
الاعتداء على المدنيين المنتظرين للمساعدات لا يمكن قراءته إلا في سياق الاستهتار الإسرائيلي بالالتزامات الإنسانية، حتى تلك التي تصدر على شكل تعهدات رسمية بتحسين بيئة عمل القوافل الإنسانية. فالهجوم الذي راح ضحيته ما لا يقل عن 94 شهيداً بالأمس فقط، يمثل استمراراً لنهج “مصائد الموت”، وهو توصيف بات يعكس واقعاً متكرراً وممنهجاً، حيث يُستهدف المدنيون في اللحظات التي يُفترض أنها مخصصة لإنقاذهم لا للإجهاز عليهم.
المجتمع الدولي يتحمل المسؤولية
برنامج الأغذية العالمي، عبر بيانه، شدد على ضرورة التمسك بالمبادئ الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها الحياد والاستقلالية وعدم التحيز، محذراً من أن تقويض هذه المبادئ يُهدد فعالية العمل الإنساني ويُزعزع ثقة المجتمعات المتضررة بالمنظمات العاملة. في ذات الوقت، لم يتوانَ البرنامج عن تحميل المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية، مطالباً بممارسة ضغط مباشر على الأطراف المتحاربة لضمان إيصال المساعدات دون عوائق.
إن الإصرار على المطالبة بـ”زيادة هائلة” في عمليات توزيع الغذاء يشير إلى أن أي حلول ترقيعية لم تعد كافية، وأن حجم الكارثة تجاوز قدرة الجهات الإنسانية على التعامل معها ضمن الأطر الحالية. كما أن الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار ليست مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة إنسانية لتأمين حياة المدنيين.
ناقوس خطر
ما ورد من إحصائيات حول أعداد الشهداء والجرحى والمفقودين يُظهر حجم الكارثة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث تجاوز عدد الشهداء 58 ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال. وهذا الرقم، الذي يُعد حصيلة غير نهائية، يكشف عن عمق المأساة وتعقيداتها، لا سيما في ظل عجز فرق الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إلى الضحايا تحت الركام.
يُمثل هذا البيان ناقوس خطر لا ينبغي تجاهله، إذ يكشف أن الكارثة في غزة لم تعد أزمة إنسانية عابرة، بل تحوّلت إلى مجاعة مُمنهجة مصحوبة بانهيار أخلاقي وسياسي في منظومة العلاقات الدولية، وغياب شبه تام لمبدأ المساءلة، الأمر الذي يُهدد ليس فقط سكان غزة بل منظومة العمل الإنساني العالمية بأكملها.






