تتواصل آلة الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة دون هوادة، حيث أوقعت غارات مكثفة منذ فجر الأحد عشرات الشهداء والجرحى، بينهم أطفال ونساء، وأصابت مخيمات نازحين ومناطق توزيع مساعدات، ما يعكس استمرار سياسة الاستهداف العشوائي أو المتعمد للمناطق المدنية، حتى تلك التي تُعد في العرف الإنساني “مناطق إغاثة آمنة”.
العدد الكبير من الضحايا الذين سقطوا في مواقع ترتبط مباشرة بالحاجة الإنسانية – كنقطة توزيع المساعدات في السودانية أو الفرن الواقع أسفل برج سكني – لا يمكن فصله عن واقع أشبه بكارثة إنسانية ممنهجة، تُستخدم فيها المجاعة كسلاح، والاحتياج اليومي للغذاء والماء كأداة ضغط وترويع.
قيود الاحتلال في توزيع المساعدات
في المقابل، يحاول الجيش الإسرائيلي تسويق خطواته المتفرقة – كإسقاط طرود جوية من المساعدات أو ربط محطة تحلية بمصدر كهربائي – على أنها مؤشرات “إنسانية” وسط ركام المجازر، في تجاهل فجّ لحقيقة أن هذه المبادرات لا ترقى إلى الحد الأدنى مما يتطلبه الوضع الميداني. فإسقاط سبعة طرود تحتوي على الدقيق والسكر لا يمكن أن يُقابل واقعاً يهدد 2.2 مليون إنسان بالمجاعة، بينما تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن أكثر من 120 شخصاً قضوا فعلاً جوعاً، بينهم عشرات الأطفال، بسبب القيود المفروضة على المساعدات منذ أشهر.
وتزيد الاتهامات المتبادلة بين إسرائيل والأمم المتحدة من قتامة المشهد. فإسرائيل تدّعي أنها سمحت بإدخال كميات كافية من الغذاء، وتحمّل الأمم المتحدة مسؤولية “سوء التوزيع”، في حين ترد الأخيرة بأن القيود الأمنية الإسرائيلية تجعل عمليات التوزيع في كثير من الأحيان شبه مستحيلة، وأنها تعمل بكفاءة في ظروف خانقة.
منع سفن الإغاثة الدولية
المشهد يزداد تعقيداً مع منع سفن الإغاثة الدولية من الوصول إلى القطاع، كما حدث مؤخراً مع السفينة القادمة من إيطاليا، التي اعترضتها البحرية الإسرائيلية بحجة “الدخول غير القانوني”. وهذا الحظر البحري، المستمر منذ سنوات، يعكس منظومة من السياسات الرامية إلى إبقاء غزة في دائرة مغلقة من الحصار، حيث لا يُسمح بوصول المساعدات إلا بشروط الاحتلال، وفي توقيت يحدده، وبكميات لا تفي باحتياجات الحد الأدنى.
ما يضاعف من فداحة المأساة هو أن كل هذه الأرقام والوقائع الميدانية لم تعد تحرّك ضمير المجتمع الدولي كما ينبغي. فقد تكرست معادلة غريبة يتم فيها التسامح مع سياسة التجويع الجماعي كأداة في الحرب، وتُبرَّر استهدافات المدنيين بحجج أمنية، بينما يدفع سكان غزة الثمن وحدهم، سواء عبر الموت بصواريخ تُطلق فجراً أو الجوع القاتل الذي يزحف عليهم ببطء.
تدمير منهجي للحياة
الواقع القائم يكشف عن إخفاق سياسي وإنساني مزدوج: من جهة، فشل المجتمع الدولي في فرض وقف فعلي لإطلاق النار أو حتى تأمين ممرات إنسانية آمنة؛ ومن جهة أخرى، تستمر إسرائيل في انتهاج سياسة العقاب الجماعي دون اكتراث للقانون الدولي أو للقيم الأخلاقية، مع تواطؤ ضمني من قوى كبرى تتجاهل الكلفة البشرية الباهظة في غزة.
إن ما يحدث في غزة ليس مجرد حرب، بل حالة من التدمير المنهجي للحياة، يتم فيها استخدام كل أدوات الضغط، من الطائرات إلى الحصار الغذائي، ضمن معادلة لا تُبقي للفلسطينيين خياراً سوى النجاة المؤقتة، بانتظار جولة قصف جديدة، أو حزمة معونات تهبط من السماء، في مشهد يختزل انهيار كل منظومات العدالة في هذا العصر.






