في خطوة غير مسبوقة داخل الاتحاد الأوروبي، كشفت صحيفة «فايننشيال تايمز» عن بدء المفوضية الأوروبية في إنشاء وحدة استخبارات جديدة تحت قيادة أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية.
خطوة مفاجئة تهز أروقة بروكسل
الخطوة التي بدت في ظاهرها مجرد تطوير إداري، سرعان ما تحولت إلى قضية مثيرة للجدل، كونها تفتح باباً واسعاً أمام تساؤلات حول مستقبل الأمن الأوروبي ووحدة القرار داخل التكتل الذي يضم 27 دولة ذات مصالح متباينة.
الأنباء التي نقلتها الصحيفة عن أربعة مصادر مطلعة، أوضحت أن الوحدة ستعمل من داخل الأمانة العامة للمفوضية، وأنها ستحاول لأول مرة توظيف مسؤولين من أجهزة المخابرات الوطنية للدول الأعضاء.
هذا التوجه يضع المفوضية في موقع جديد تماماً داخل البنية الأمنية الأوروبية، إذ لم يسبق لها أن تولت أي دور تنفيذي مباشر في جمع أو تحليل المعلومات الاستخباراتية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه التهديدات الأمنية المحيطة بالقارة العجوز، بدءاً من الحرب الروسية في أوكرانيا، ومروراً بتصاعد الهجمات السيبرانية وحملات التضليل المعلوماتي، وانتهاءً بالمخاوف من الإرهاب والتجسس الصناعي، لذا يرى مراقبون أن إنشاء هذه الوحدة يعكس إدراكاً متنامياً لدى بروكسل بضرورة التحرك الجماعي بدلاً من الاعتماد فقط على التنسيق بين العواصم الأوروبية.
ورغم أن المفوضية لم تصدر تأكيداً رسمياً حول تفاصيل المشروع، فإن مجرد تسرب المعلومات أثار جدلاً واسعاً حول طبيعة هذه الوحدة وحدود سلطاتها، في ظل حساسية الملفات الأمنية التي تعد حتى الآن من اختصاصات الدول الوطنية لا المؤسسات الأوروبية.
توتر داخل العواصم الأوروبية
بحسب مصادر دبلوماسية في بروكسل، فإن عدداً من الدول الأعضاء أبدى تحفظاً على فكرة منح المفوضية صلاحيات استخباراتية، معتبرين أن الأمن القومي لا يمكن أن يخضع للمركزية الأوروبية.
بعض الحكومات، خصوصاً في أوروبا الشرقية، تخشى من أن يؤدي المشروع إلى تقييد استقلالية أجهزتها الأمنية أو تسريب معلومات حساسة إلى جهات أخرى داخل الاتحاد.
في المقابل، تؤكد مصادر داخل المفوضية أن الهدف ليس إنشاء “جهاز مخابرات موحد”، بل تطوير آلية لتبادل المعلومات وتحليلها بشكل أكثر كفاءة لخدمة صانعي القرار الأوروبيين، وتضيف أن الوحدة الجديدة لن تمتلك صلاحيات تنفيذية أو ميدانية، بل ستكون أشبه بغرفة عمليات لتجميع البيانات وتقديم تقديرات استراتيجية.
لكن حتى هذا التوضيح لم يهدئ المخاوف تماماً. فالمفوضية الأوروبية برئاسة فون دير لاين معروفة بسعيها لتعزيز صلاحياتها على حساب الدول الأعضاء، وهو ما جعل البعض يصف هذه الخطوة بأنها “زحف بيروقراطي” نحو السيطرة على المجال الأمني، الذي ظل حتى الآن آخر خطوط السيادة الوطنية.
ومع تصاعد النقاش، عاد سؤال جوهري إلى الواجهة: هل تسعى أورسولا فون دير لاين فعلاً لبناء نموذج أوروبي مشابه لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، أم أن الهدف أبسط من ذلك ويقتصر على تحسين التنسيق الداخلي؟
نحو “سي آي إيه” أوروبية؟
تاريخياً، ظلت فكرة إنشاء جهاز استخبارات أوروبي موحد تراود بعض القادة منذ تسعينات القرن الماضي، لكنها كانت تصطدم دائماً بعقبة السيادة الوطنية، فالأجهزة الأمنية تعتبر من أكثر المؤسسات حساسية في أي دولة، وفتح قنوات مباشرة بين المفوضية وأجهزة المخابرات كان يعد حتى وقت قريب أمراً مستحيلاً.
غير أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة، من الحرب في أوكرانيا إلى صعود التهديدات السيبرانية، جعلت الاتحاد الأوروبي يدرك أنه لا يمكنه الاكتفاء بالتنسيق المحدود بين العواصم، فهناك حاجة إلى مركز موحد لتحليل البيانات وتقديم تقارير أمنية شاملة للقيادة الأوروبية، وهو ما يبدو أن فون دير لاين تحاول تحقيقه الآن.
ويرى مراقبون أن الخطوة قد تمثل البداية الفعلية لبناء ما يشبه “سي آي إيه أوروبية”، ولو بصورة مصغرة، إذ يمكن للوحدة الجديدة أن تتحول مع الوقت إلى مؤسسة دائمة تمتلك صلاحيات أوسع في مجالات الأمن والتحليل الاستراتيجي، ومع تزايد النفوذ السياسي للمفوضية، قد يتطور المشروع ليصبح أحد أذرع الاتحاد الأمنية القوية.
لكن آخرين يرون أن المقارنة مع الـCIA مبالغ فيها، لأن المفوضية لا تمتلك جيشاً أو قوة تنفيذية، كما أن الدول الأعضاء لن تسمح بسهولة بنقل معلوماتها الحساسة إلى كيان فوق وطني، لذلك فإن الوحدة الجديدة قد تبقى محدودة التأثير إلا إذا تغيرت طبيعة الاتحاد الأوروبي نفسه.
مخاوف من التجسس الداخلي والتسريبات
من أبرز الانتقادات التي واجهت المشروع الجديد هي المخاوف من إمكانية استخدام هذه الوحدة لمراقبة الحكومات أو الأحزاب داخل الاتحاد الأوروبي، فبعض النواب في البرلمان الأوروبي تساءلوا: من الذي سيراقب هذه الوحدة؟ ومن يضمن عدم تسرب المعلومات التي ستُجمع إلى أطراف غير مخوّلة؟
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الخطة تشمل تبادل بيانات بين أجهزة المخابرات الوطنية عبر قنوات جديدة تديرها المفوضية، وهو ما قد يثير أزمات قانونية تتعلق بالخصوصية والسيادة، وقد سبق للاتحاد الأوروبي أن واجه انتقادات مشابهة عندما أطلق برامج لمراقبة الحدود أو مكافحة الإرهاب شملت تبادل بيانات حساسة.
ورغم محاولات فون دير لاين تهدئة هذه المخاوف بالتأكيد على أن المشروع لا يتضمن صلاحيات ميدانية أو عمليات تجسس داخلية، فإن الغموض ما زال يلف تفاصيل الخطة، فحتى الآن لم يُعرف ما إذا كانت الدول الأعضاء ستُلزم بتقديم معلوماتها للمفوضية، أم أن المشاركة ستكون طوعية ومحدودة.
ويرى خبراء القانون الأوروبي أن نجاح المشروع يعتمد على بناء ثقة متبادلة بين المفوضية والعواصم، لأن أي تسريب أو سوء استخدام للمعلومات قد يؤدي إلى انهيار المنظومة بالكامل قبل أن تبدأ فعلاً في العمل.
رؤية فون دير لاين: الأمن أساس الوحدة
منذ توليها رئاسة المفوضية الأوروبية، تبنت أورسولا فون دير لاين نهجاً يقوم على تعزيز ما تسميه “السيادة الأوروبية”، وهذه الرؤية لا تقتصر على الاقتصاد أو الدفاع فقط، بل تمتد إلى المجال الاستخباراتي الذي تعتبره أساساً لأي اتحاد قوي ومستقل.
فون دير لاين، التي كانت وزيرة للدفاع في ألمانيا قبل توليها المنصب الأوروبي، تدرك تماماً أهمية المعلومات في صناعة القرار الأمني، لذلك ترى أن الوقت قد حان لتأسيس بنية استخباراتية أوروبية قادرة على المنافسة في عالم يزداد اضطراباً وتغيراً.
لكن في الوقت نفسه، تواجه رئيسة المفوضية معارضة قوية من بعض الدول التي ترى أن طموحاتها تتجاوز التفويض الممنوح لها، فالاتحاد الأوروبي لم يُنشأ ليكون كياناً أمنياً مركزياً، بل تحالفاً سياسياً واقتصادياً بين دول ذات سيادة.
وبرغم هذه الانتقادات، فإن فون دير لاين تواصل المضي في مشروعها، مدفوعة برغبتها في ترك إرث سياسي كبير قبل نهاية ولايتها، يتمثل في بناء مؤسسات أوروبية أكثر صلابة واستقلالاً عن النفوذ الأميركي.
تحول جذري في مفهوم الأمن الأوروبي
يقول د. هانز مولر، أستاذ الأمن الأوروبي في جامعة برلين إن خطوة فون دير لاين تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الأمن الأوروبي، إذ إنها المرة الأولى التي تسعى فيها المفوضية لتأسيس كيان استخباراتي مباشر.
ويرى أن هذا المشروع هو رد عملي على الفوضى الاستخباراتية التي عانت منها أوروبا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الهجمات الإرهابية وحرب أوكرانيا.
ويضيف مولر أن “الوحدة الجديدة” يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تنسيق المعلومات وتحليلها على المستوى الأوروبي، مما يعزز قدرة الاتحاد على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة في مواجهة الأزمات، لكنه يحذر من أن أي محاولة لتجاوز صلاحيات الدول الأعضاء قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتخلق أزمة ثقة داخل الاتحاد.
ويشير إلى أن المقارنة مع وكالة الـCIA الأميركية غير دقيقة حالياً، لأن الأخيرة تملك قدرات تنفيذية وميدانية ضخمة، بينما المشروع الأوروبي ما يزال في طوره الإداري، ومع ذلك، فإن مولر لا يستبعد أن تتحول الوحدة إلى نواة لجهاز استخبارات موحد في المستقبل إذا نجحت المرحلة الأولى.
ويختم بالقول إن نجاح هذه التجربة يتوقف على قدرة المفوضية على بناء إطار قانوني شفاف يحدد بدقة من يملك البيانات ومن يحق له استخدامها، لأن أي غموض في هذا الجانب قد يقوّض المشروع بالكامل.
تطور طبيعي في ظل تهديدات القارة
وتعتبر كلير دومون، الباحثة في مركز الدراسات الأمنية ببروكسل أن إنشاء وحدة مخابرات داخل المفوضية الأوروبية هو تطور طبيعي في ظل التهديدات المتزايدة التي تواجه القارة، من الحرب الإلكترونية إلى التجسس الصناعي. وتقول إن أوروبا كانت دائماً الحلقة الأضعف في المنظومة الاستخباراتية الغربية مقارنة بالولايات المتحدة أو حتى بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد.
وترى دومون أن فون دير لاين تحاول من خلال هذه الخطوة وضع الاتحاد الأوروبي في موقع الشريك الأمني الحقيقي للولايات المتحدة داخل حلف الناتو، بدلاً من أن يظل تابعاً يعتمد على المعلومات الأميركية. وتشير إلى أن ذلك ينسجم مع توجه أوسع نحو “استقلال استراتيجي” تسعى أوروبا لتحقيقه منذ سنوات.
لكنها في الوقت نفسه تحذر من أن المشروع قد يصطدم بمقاومة سياسية داخلية، لأن بعض الدول لن تقبل بسهولة مشاركة بياناتها الحساسة مع المفوضية. وتوضح أن الخطر الأكبر ليس في الفكرة نفسها، بل في طريقة تنفيذها، لأن سوء الإدارة أو غياب الشفافية قد يؤدي إلى انهيار الثقة بين الدول الأعضاء.
وتختتم دومون بقولها إن ما يحدث اليوم يشبه “ميلاد جهاز استخبارات أوروبي”، لكنه لا يزال جنيناً يحتاج إلى توافق سياسي واسع حتى يرى النور، مضيفة أن نجاحه سيحدد مستقبل الأمن الأوروبي لعقود مقبلة.




