تشكل إدانة منظمة الصحة العالمية للهجمات التي شنتها القوات الإسرائيلية على مقر سكن موظفيها ومستودعها الرئيسي في مدينة دير البلح بغزة مؤشرًا بالغ الخطورة، ليس فقط من ناحية استهداف البنية التحتية الصحية في القطاع، بل أيضًا لما تحمله هذه الانتهاكات من دلالات سياسية وقانونية وإنسانية تتجاوز حدود الحرب العسكرية إلى حرب ممنهجة على ما تبقى من ركائز العمل الإنساني في غزة.
موظفو المنظمات الإنسانية يُعاملوا كأسرى
ففي واحدة من أقسى اللحظات التي تشهدها الحرب على القطاع، خرج المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم، بموقف غير مألوف في حدّته، إذ وصف بدقة ما جرى من انتهاكات بحق موظفي المنظمة: إخلاء قسري للنساء والأطفال، تقييد وتعريه واحتجاز للموظفين الذكور، واستجواب تحت التهديد. لا تتوقف خطورة ما حدث عند كونه انتهاكًا صارخًا لقوانين الحرب التي تحمي العاملين في المجال الإنساني، بل يمتد إلى كونه إشارة مباشرة إلى أن إسرائيل لم تعد تفرق بين المدنيين والمقاتلين، ولا بين الجنود والعاملين في المنظمات الأممية.
الاحتجاز المستمر لأحد موظفي المنظمة رغم الإفراج عن الآخرين يضع علامات استفهام حول نوايا الاحتلال، ويطرح تساؤلات حول مدى التزامه بأي من الأعراف التي تحكم الحروب والنزاعات المسلحة. إذ يفترض، وفقًا لاتفاقيات جنيف، أن تحظى المنظمات الإنسانية وموظفوها بالحماية الكاملة، لا أن يُعاملوا كأسرى أو يُجبروا على الإخلاء أو يُستهدفوا بالقوة.
وتزداد خطورة هذا التطور حين يُربط بالسياق العام للحرب، فالهجوم على مستودع رئيسي تابع للصحة العالمية، يقع ضمن منطقة أمرت إسرائيل سكانها بإخلائها، أدى إلى انفجارات وحريق، مما أدى إلى خسائر فادحة في مخزون بالغ الأهمية للقطاع الصحي المنهار أصلًا. هذه ليست مجرد خسارة مادية، بل ضربة مباشرة لما تبقى من قدرات محدودة لعلاج الجرحى والمرضى والحوامل والأطفال في قطاع غزة، ما يعني فعليًا تسريع انهيار النظام الصحي بالكامل.
تجاوز الخطوط الحمراء
في موازاة هذه التطورات، أطلقت الأمم المتحدة والأونروا صرخات استغاثة جديدة، مؤكدة تلقيها رسائل من موظفيها في غزة تُظهر واقعًا بالغ البؤس، بلغ فيه الجوع حدّ المجاعة، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أربعين ضعفًا، وهو ما يعكس حالة الانفجار الاقتصادي والإنساني في ظل الحصار المستمر ومنع المساعدات. ومع ذلك، لا تزال شحنات الأغذية والمستلزمات الحيوية محتجزة خارج القطاع، رغم أن الأونروا تؤكد امتلاكها مخزونات كافية لإطعام أكثر من مليوني إنسان لعدة أشهر.
إدانة منظمة الصحة العالمية في هذا السياق تكتسب بعدًا سياسيًا أيضًا، إذ تمثل نقطة تحول في خطاب المنظمات الأممية، التي غالبًا ما اتسمت مواقفها بالحياد أو التحفظ، غير أن تصعيد اللهجة وتوصيف الانتهاكات بهذا الشكل العلني والمباشر يشير إلى أن الخطوط الحمراء قد تم تجاوزها بوضوح.
الحرب تجاوزت أهدافها العسكرية
الهجوم على موظفي المنظمة لا يمكن عزله عن سياق واسع من استهداف ممنهج للمنشآت الصحية والطواقم الطبية والإنسانية، ما يُفهم في النهاية كمحاولة لتجريد غزة من أي قدرة على البقاء أو الصمود. فحين يُحاصر المدنيون، وتُقصف المستشفيات، ويُعتقل العاملون في المجال الإنساني، وتُدمر مخازن الإغاثة، فإن الرسالة واضحة: لا مكان للحياة في هذا المكان.
ما جرى في دير البلح، كما وصفته منظمة الصحة العالمية، هو اعتداء موثق على القانون الدولي، ومؤشر على تحول العمل الإنساني في غزة من مهمة إنقاذية إلى عملية محفوفة بالموت والخطر المباشر. إنه تحذير صريح من أن الحرب في غزة تجاوزت أهدافها العسكرية المعلنة، لتصبح حربًا على البنى الإنسانية ذاتها، وهي دلالة لا يمكن للعالم تجاهلها دون أن يفقد ما تبقى من صدقيته الأخلاقية.






