تسير التطورات في إسرائيل نحو مرحلة جديدة من التعقيد الداخلي، مع اقتراب موعد الاحتجاجات الواسعة التي دعت إليها عائلات الأسرى لدى «حماس» وأسر قتلى الحرب، تحت شعار «إضراب الشعب». هذه الموجة من الغضب الشعبي تكشف حجم الضغط الذي باتت تمارسه الفئات الأكثر تأثراً بغياب الحلول، حيث تسعى هذه العائلات إلى تحريك الشارع، وإجبار الحكومة على التوصل إلى اتفاق يفضي إلى إعادة الأسرى، بعدما فشلت السياسات العسكرية في تحقيق هذا الهدف. الزخم المتوقع في الشوارع الإسرائيلية، بمشاركة مئات الآلاف، يعكس حالة احتقان داخلية غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب على غزة، ويضع حكومة نتنياهو أمام اختبار سياسي وأخلاقي صعب.
انقسام داخل المؤسسة الإسرائيلية
في المقابل، جاء التطور السياسي اللافت مع إعلان الوسطاء المصريين والقطريين أن «حماس» أبدت مرونة واستعداداً لبحث اتفاق جزئي، في خطوة تمثل تغييراً ملحوظاً في خطاب الحركة بعد تعثر مفاوضات الدوحة. هذه المرونة وإن كانت محدودة، فإنها تفتح الباب أمام احتمالات إعادة إحياء المفاوضات، خصوصاً مع إدراك الحركة استحالة استمرار المواجهة المفتوحة بلا أفق سياسي.
لكن المعضلة تكمن في الانقسام داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، حيث يتبنى رئيس مجلس الأمن القومي تساحي هنغبي موقفاً براغماتياً يرى في أي تقدم جزئي فرصة لخفض الضغط الداخلي، في حين يصرّ رئيس الموساد ديدي برنياع والوزير رون ديرمر على أن القبول بالاتفاق الجزئي سيُفسَّر كضعف استراتيجي، ويدفع باتجاه اتفاق شامل يحسم الملفات كلها دفعة واحدة.
ضغط عائلات الأسرى
هذا الانقسام الإسرائيلي الداخلي، المتزامن مع الاحتجاجات الشعبية، يضع القيادة في تل أبيب أمام معادلة معقدة: بين تلبية مطالب الشارع المتأجج وضغط عائلات الأسرى، وبين الاعتبارات الأمنية والسياسية التي ترفض تجزئة الملفات. في الوقت نفسه، تدرك «حماس» أن أي ليونة تبديها قد تفتح أمامها مجالاً للمناورة السياسية، وتحسين صورتها أمام الوسطاء والمجتمع الدولي، دون تقديم تنازلات جوهرية تهدد موقعها الداخلي. وعليه، يمكن القول إن مشهد الغد في إسرائيل لن يكون مجرد إضراب احتجاجي، بل اختباراً حقيقياً لتوازنات القوة بين الشارع والقيادة السياسية، ولجدية الأطراف في استثمار اللحظة نحو انفراجة سياسية قد تعيد رسم مسار الصراع.






