شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية تداولاً واسعاً لمنشورات تزعم وفاة الرئيس التونسي قيس سعيّد، بالتزامن مع تزايد التساؤلات بشأن غيابه عن المشهد العام خلال الأيام الأخيرة.
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر أي جهة رسمية تونسية إعلاناً يؤكد هذه المزاعم، كما لم تنشر رئاسة الجمهورية أو الحكومة أي بيان يفيد بوفاة الرئيس، ما يجعل الأخبار المتداولة غير صحيحة ولا تستند إلى أي مصدر رسمي.
وتأتي هذه الشائعة في وقت تشهد فيه الساحة السياسية نقاشاً متصاعداً حول غياب الرئيس عن الظهور العلني، الأمر الذي فتح الباب أمام موجة من التكهنات والتأويلات على مواقع التواصل الاجتماعي.
غياب الرئيس يثير تساؤلات داخل المشهد السياسي
لم يقتصر الجدل على الفضاء الإلكتروني، بل امتد إلى الأوساط السياسية، حيث تساءل عدد من النواب والأحزاب عن أسباب غياب الرئيس قيس سعيّد عن الأنشطة الرسمية خلال الفترة الأخيرة.
ويطالب بعض الفاعلين السياسيين بصدور توضيح من رئاسة الجمهورية أو الحكومة يبدد حالة الغموض، معتبرين أن الشفافية في مثل هذه الملفات ضرورية لتجنب انتشار الإشاعات التي قد تؤثر في الاستقرار السياسي.
في المقابل، يرى مؤيدو السلطة أن غياب الرئيس لفترة قصيرة لا يستدعي بالضرورة إصدار بيانات رسمية، وأن تداول الأخبار غير المؤكدة يعكس طبيعة البيئة الرقمية التي تنتشر فيها الشائعات بسرعة كبيرة.
لماذا تنتشر الشائعات في غياب المعلومات؟
تكشف هذه الواقعة مجدداً العلاقة الوثيقة بين غياب المعلومة الرسمية واتساع دائرة الأخبار المضللة.
فعندما يغيب التواصل الرسمي، تصبح وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومات بالنسبة لكثير من المواطنين، وهو ما يفسح المجال أمام صفحات مجهولة أو حسابات غير موثوقة لنشر روايات يصعب التحقق منها.
ويؤكد خبراء الإعلام أن أفضل وسيلة لمواجهة الشائعات ليست نفيها بعد انتشارها، وإنما اعتماد سياسة تواصل استباقية توفر المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحة رئيس الدولة أو استمرارية مؤسسات الحكم.
قيس سعيّد… رئيس غيّر ملامح النظام السياسي
انتُخب قيس سعيّد رئيساً لتونس في أكتوبر/تشرين الأول 2019 بعد فوز كاسح في الانتخابات الرئاسية، مستفيداً من صورته كأستاذ للقانون الدستوري وشخصية مستقلة رفعت شعار مكافحة الفساد وإعادة السلطة إلى الشعب.
لكن التحول الأكبر في فترة حكمه جاء في 25 يوليو/تموز 2021، عندما أعلن تجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة، مستنداً إلى الفصل 80 من دستور 2014، وهي خطوة اعتبرها مؤيدوه تصحيحاً لمسار الدولة، بينما وصفتها قوى سياسية معارضة بأنها انقلاب على المؤسسات الديمقراطية.
ومنذ ذلك التاريخ، دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة شهدت حل البرلمان، وإعادة صياغة الدستور، وتنظيم انتخابات تشريعية وفق نظام انتخابي مختلف، إلى جانب إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وإجراء تعديلات واسعة في مؤسسات الدولة.
إنجازات وإخفاقات خلال سنوات الحكم
يرى أنصار الرئيس أن فترة حكمه أعادت للدولة مركزيتها ووضعت حداً لحالة الانقسام السياسي التي طبعت السنوات التي أعقبت ثورة 2011، كما يعتبرون أن الإجراءات الاستثنائية ساهمت في تعزيز سلطة الدولة ومواجهة الفساد.
في المقابل، تواجه رئاسة قيس سعيّد انتقادات من المعارضة ومنظمات حقوقية تتعلق بتراجع التعددية السياسية، وتضييق المجال العام، إلى جانب استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وهي ملفات بقيت في صدارة اهتمامات الشارع التونسي.
كما واجهت تونس خلال السنوات الأخيرة تحديات مالية دفعتها إلى الدخول في مفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية، في وقت ظلت فيه الإصلاحات الاقتصادية محل جدل داخلي واسع.
الاستقرار السياسي… رهان المرحلة المقبلة
تكشف موجة الشائعات الأخيرة أن تونس لا تزال تعيش حالة من الحساسية السياسية، حيث يمكن لأي فراغ في المعلومات أن يتحول إلى أزمة على منصات التواصل الاجتماعي.
وبغض النظر عن صحة الأخبار المتداولة، فإن الجدل الذي رافق غياب الرئيس يعكس أهمية التواصل الرسمي في طمأنة الرأي العام، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية الدقيقة التي تمر بها البلاد.






