في تحول إستراتيجي لافت نحو مقاربة “القاعدة إلى القمة”، أطلقت واشنطن عبر مستشار الرئيس دونالد ترامب لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، مساراً جديداً لتسوية الأزمة الليبية. هذه المبادرة تتجاوز “المظلات الدستورية” و”المحاصصة السياسية” التي ميزت اتفاقات الصخيرات وجنيف، لتستبدلها بهيكل إجرائي يربط الاستقرار بالمال والسلاح، في رهان أمريكي على أن إدماج المؤسسات الاقتصادية والأمنية سيُفرز بالضرورة واقعاً سياسياً موحداً.
هندسة “المسار البراغماتي”.. كيف تدار اللعبة؟
تستند الرؤية الأمريكية الجديدة إلى فرضية أن الخلافات السياسية حول الدساتير والانتخابات أثبتت عجزها عن إنهاء الانقسام، لذا قرر “بولس” قلب المعادلة والبدء بـ”الوقود والميزانية”. وتستند هذه الإستراتيجية إلى ثلاثة محاور تنفيذية:
الأولوية الاقتصادية: انتزاع توافق على ميزانية وطنية موحدة (وهو ما حدث بالفعل لأول مرة منذ 13 عاماً) لقطع الطريق على تمويل النزاعات الموازية.
التكامل الأمني: دمج التنسيق العسكري عبر مناورات “فلينتلوك 2026” في سرت، وتفعيل غرف عمليات مشتركة بين الشرق والغرب، برعاية “أفريكوم”.
فرض الاستقرار كشرط: ربط الاستثمار الأجنبي المباشر -لاسيما الأمريكي- بضمان أمن الحقول النفطية واستدامة الإنتاج.
“مبادرة الأشباح”.. مخاوف الشفافية والشرعية

ورغم الزخم الذي تحظى به المبادرة، إلا أن ثمة فجوة كبيرة في ثقة القوى الليبية المحلية، وتتلخص في غياب “الوثيقة المعلنة”. هذا الغموض يغذي مخاوف متزايدة لدى المؤسسات التشريعية والسياسية (مثل المجلس الأعلى للدولة) من أن تكون المبادرة مجرد “تفاهمات أمنية خلف الأبواب” لا تخضع لرقابة وطنية.
معضلة الشرعية: يتساءل الفاعلون السياسيون عن طبيعة السلطة التنفيذية المقبلة؛ هل نحن أمام حكومة موحدة أم مجرد تقاسم للنفوذ يكرس وجود الوجوه الحالية؟
حسابات القوى: هناك خشية من أن تكون المبادرة مدخلاً لشرعنة دور أكبر للقيادة العسكرية في الشرق، دون ضمانات متبادلة للطرف الغربي، مما يهدد بتفجير المبادرة من الداخل إذا شعرت القوى المسلحة في مصراتة والمنطقة الغربية بأنها الطرف “الأضعف” في هذه المعادلة.
تحذيرات الخبراء: بين “تقاسم الموارد” و”التوحيد الحقيقي”
يضع المراقبون الدوليون هذه المبادرة تحت المجهر، محذرين من فخاخ “التنفيذ التقني” التي قد تخفي خلفها عجزاً سياسياً بنيوياً:
تحذير “تالبوت”: يرى أن توحيد الميزانية سلاح ذو حدين؛ فإذا لم يقترن برقابة ومساءلة صارمة، قد يتحول إلى مجرد “توزيع حصص” بين مراكز القوى، مما يرسخ الانقسام القائم بدلاً من إنهاء مسبباته.
تحذير “ويري”: يلفت إلى أن المبادرة تتعامل مع طرفين غير متكافئين؛ فالمعسكر الشرقي يمتلك هيكلاً عسكرياً أكثر تماسكاً، بينما الغرب يتسم بالتشرذم. هذا الاختلال يثير تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تسعى لفرض واقع يميل كفته لصالح طرف على حساب الآخر.
السيناريوهات المستقبلية
في ظل تباين المواقف بين “الترحيب المشروط” من البرلمان، و”التحفظ الشديد” في مدن الغرب الليبي، تقف المبادرة الأمريكية أمام ثلاثة مسارات حاسمة:
سيناريو “الخاتمة الأمريكية”: أن تنجح واشنطن في استخدام ضغوطها المالية (سلطة الدولار) لإجبار الأطراف على توقيع اتفاق نهائي في واشنطن ينهي الحالة الراهنة.
سيناريو “التعديل القسري”: أن تضطر المبادرة لتقديم تنازلات ودمج ضمانات سياسية لاستيعاب مخاوف الغرب الليبي (مصراتة نموذجاً)، مما يبطئ وتيرة التنفيذ.
سيناريو “إدارة الانقسام”: أن تفشل المبادرة في التحول إلى مسار سياسي شامل، لتكتفي فقط بتنسيق أمني مالي، وهو ما سيعني عودة البلاد إلى المربع الأول بمجرد انتهاء “المصلحة الاقتصادية” المؤقتة.






