على امتداد البقاع الغربي، لم تعد بحيرة القرعون مجرد مساحة مائية هادئة تتوسط الجبال والسهول، بل تحولت إلى مرآة حية لعمق الأزمات المركبة التي تضرب لبنان. المنشأة الإستراتيجية التي أُسست يوماً لتكون رافعة للتنمية وتوليد الطاقة، باتت اليوم محاصرة بين فكي كماشة: تلوث بيئي مزمن ناتج عن الفساد وسوء الإدارة الداخلية، وتهديد عسكري مباشر يضع أمن البلاد المائي على حافة كارثة حقيقية.
منشأة حيوية تحت النار.. سيناريوهات غارات مايو
دخل سد القرعون منحنياً أمنياً خطيراً إثر تعرض محيطه لست غارات إسرائيلية مركزة في يوم واحد، استهدفت بشكل مباشر الطريق المحاذية للسد (والتي تشكل جزءاً من بنيته الإنشائية) بالإضافة إلى المنظومة الكهروميكانيكية وشبكة التحكم بالطاقة الكهربائية المغذية له؛ مما أدى إلى تعطيلها فوراً.
وفي مواجهة هذا التهديد، اتخذت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني إجراءات عاجلة بالتنسيق مع رئاسة الجمهورية شملت:
إعلان منطقة السد منطقة عسكرية مغلقة لمنع أي اختراقات أو أضرار إضافية.
إطلاق اتصالات دولية مكثفة، لا سيما مع الولايات المتحدة والشركاء الدوليين، للضغط باتجاه تحييد هذه المنشأة الحيوية.
الحماية الدولية: يُصنف سد القرعون ضمن المنشآت المحمية بموجب البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، والذي يحظر استهداف السدود والمنشآت الهندسية إذا كان ضربها يتسبب في إطلاق قوى طبيعية مدمرة تلحق خسائر جسيمة بالمدنيين.
محاكاة الكارثة.. ماذا لو انهار السد؟

تكمن الخطورة الإستراتيجية لأي استهداف مباشر للسد في حجم المياه المحتجزة خلف جدار الإسمنت؛ ففي حين تبلغ السعة الإجمالية للبحيرة نحو 220 مليون متر مكعب، فإنها تحتجز حالياً ما بين 130 إلى 136 مليون متر مكعب.
أي انهيار -لا قدر الله- سيؤدي إلى اندفاع موجة مائية بارتفاع عشرات الأمتار وعرض مئات الأمتار، لتجتاح عشرات البلدات والقرى الممتدة من البقاع الغربي وحتى مصب نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوباً، مما يعني إبادة كاملة للبنية التحتية، وتدمير الطرق، وتهديداً وجودياً مباشراً لحياة آلاف السكان المقيمين على ضفاف المجرى.
“العدو الداخلي”.. الصرف الصحي والمقابر البيئية
ورغم خطورة المشهد العسكري، فإن الأزمة الأقدم والأكثر فتكاً بالبحيرة تعود إلى الفشل البنيوي والفساد في إدارة قطاع المياه داخل الدولة اللبنانية. فالبلد الذي صُنف تاريخياً كـ “خزان الشرق الأوسط المائي”، بات عاجزاً عن الاستفادة من ثروته بفعل التلوث العضوي والكيميائي.
مصب النفايات السائلة: تضخ 64 بلدة في البقاع الأوسط والشمالي والغربي مياه صرفها الصحي مباشرة في مجرى نهر الليطاني لينتهي بها المطاف في بحيرة القرعون.
المحطات المعطلة: رغم توفر التمويل الدولي والعربي، لا يزال تشغيل محطتي المعالجة الرئيستين في “المرج” (البقاع الأوسط) و”تمنين التحتا” (البقاع الشمالي) معطلاً نتيجة البيروقراطية والتعنت، مما يحرم البحيرة من أي فرصة للتنقية التلقائية.
التلوث الأخضر واستنزاف الجوف
إلى جانب الصرف الصحي، يواجه الخزان المائي أزمتين متلازمتين:
السيانوبكتيريا السامة: يتسبب التدفق الكثيف للأسمدة والمبيدات الزراعية المشبعة بالفوسفات والنترات من سهول البقاع في خلق بيئة خصبة لنمو الطحالب الخضراء المزرقة السامة، مما أدى مراراً إلى نفوق جماعي للأسماك وتراجع حاد في التنوع البيولوجي.
استنزاف المياه الجوفية: أدى الانتشار غير القانوني للآبار الارتوازية في البقاع الشمالي إلى جفاف الينابيع والروافد الطبيعية المغذية لليطاني، وهو ما تزامناً مع مواسم الجفاف تسبب في معادلة صفرية: مياه أقل وتلوث بتركيز أكبر.
تختصر أزمة القرعون واقع الدولة اللبنانية التي تمتلك الترسانة القانونية والتشريعية لقطاعات البيئة والمياه، وتفتقر تماماً إلى آليات التطبيق والمحاسبة؛ لتتحول الثروة المائية من أداة إنماء إلى مجرد حبر على ورق الجغرافيا.
“المياه في لبنان أصبحت تشبه الودائع المصرفية؛ فكما أن ثروتنا المالية أصبحت مجرد أرقام وهمية على الشاشات، فإن ثروتنا المائية أصبحت موجودة في كتب الجغرافيا فقط.” — سامي علوية، المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني






