في قلب الدمار الذي يغطي غزة، وبين أنقاض البيوت والمستشفيات، تخرج من تحت الركام عمليات عسكرية تُنفذها فصائل المقاومة، وعلى رأسها سرايا القدس، الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وكتائب القسام التابعة لحماس، في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية. ما تبثه سرايا القدس من مشاهد مصورة لعمليات قصف مدفعي وزرع عبوات ناسفة يطرح سؤالًا عميقًا يتجاوز لحظة الاشتباك نفسها: ما جدوى هذه العمليات؟ ولماذا تتمسك حماس وفصائل المقاومة بخيار السلاح في ظل الدمار الهائل والمجازر المتواصلة بحق المدنيين؟
كسر صورة الاحتلال
التحليل الواقعي لهذا المشهد المعقد لا يمكن أن يكون ثنائي اللون. فهو لا يحتمل التبسيط ولا الانحياز الأعمى لأي طرف. في غزة اليوم، هناك شعب يُذبح تحت الحصار والعدوان، وهناك مقاومة تصرّ على استمرار القتال، وجيش احتلال يتوسع في عملياته بشكل ممنهج، مستندًا إلى تفوقه العسكري والدعم الدولي، خاصة الأمريكي.
العمليات التي تُنفذها المقاومة في خان يونس، كما في غيرها من مناطق القطاع، تحمل بُعدًا مزدوجًا:
من جهة، بثّ مقاطع الاستهداف المباشر للجنود والآليات، وتوثيق لحظة التفجير والإصابة، يُراد به كسر صورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وإرسال رسالة إلى جمهور الاحتلال وإلى داعميه بأن التوغل في غزة ليس نزهة، وأن الكلفة البشرية مستمرة.
لكن من جهة أخرى، يبرز سؤال مؤلم: هل هذا النوع من العمليات يُحدث تحولًا حقيقيًا في موازين القوى؟ أم أنه بات يُستخدم كتكتيك رمزي في معركة استراتيجية خاسرة؟
مشروع مقاومة بلا أفق سياسي
الواقع على الأرض يشير إلى أن إسرائيل لا تُبطئ عملياتها بسبب هذه الاستهدافات، بل تتسع رقعة التوغل ويشتد القصف، فيما يُسحق المدنيون وسط هذا الصراع. آلاف القتلى والجرحى، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية، ومجاعات متزايدة.. كل ذلك يحدث في ظل تمسك المقاومة بخيار السلاح، ورفضها الانخراط في مفاوضات لا تضمن شروطها.
تمسك حماس بالسلاح لا ينبع فقط من عقيدة دينية أو أيديولوجية، بل من قراءة سياسية ترى أن أي نزع للسلاح سيُنهي ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها الحركة في مواجهة إسرائيل، ويُعيد غزة إلى معادلة “الهدوء مقابل الحصار”، وهو أمر تراه المقاومة إخضاعًا لا تهدئة. لكن هذه المعادلة ذاتها أصبحت، بالنسبة لقطاع واسع من الفلسطينيين، غير قابلة للاستمرار؛ لأنها تعني بقاء غزة في حالة دمار دائم من أجل مشروع مقاومة لا يملك أفقًا سياسيًا واضحًا.
الإصرار على العمليات دون وجود تصور متكامل لليوم التالي، ودون تقدم في المفاوضات، قد يتحول في نظر البعض إلى عناد مدمر أكثر من كونه موقفًا مبدئيًا. وما يزيد الصورة تعقيدًا هو أن إسرائيل تستغل هذا التعنت لتبرير استمرار العمليات العسكرية، مدعية أن وجود السلاح بين المدنيين يجعل أي استهداف مبررًا.
الغضب الشعبي الفلسطيني
في المقابل، تُصر المقاومة على أن ما يحدث هو عدوان شامل، وأن ما تبذله هو دفاع مشروع عن النفس، وهي رواية تجد صدى واسعًا في الشارع العربي والدولي، لكنها أيضًا تواجه تحديًا داخليًا مع تصاعد الغضب الشعبي الفلسطيني من حجم الكارثة واستمرار المعاناة.
وهنا، تصبح المسألة الأخطر: من يملك الحق في تقرير الكلفة البشرية للمقاومة؟ وهل يحق لفصيل، مهما كانت شرعيته الشعبية، أن يخوض معركة طويلة الأمد نيابة عن شعب يعاني تحت الحصار والنار؟
العمليات التي تبثها سرايا القدس لا تكفي وحدها لبناء استراتيجية تحرير أو حماية شعب. ما لم تقترن هذه العمليات برؤية سياسية واضحة، وموقف تفاوضي مرن يستثمر الصمود على الأرض بدل استنزافه، فإن المشهد سيظل دائرة مغلقة من المقاومة والرد، من الدم والمزيد من الدم، دون أفق حقيقي للخروج.






