يشكل اقتحام المستوطنين لقرية شلال العوجا البدوية شمال أريحا، والاعتداء على موظفي الحرم الإبراهيمي في الخليل، تصعيدًا جديدًا في سياسة الاحتلال الإسرائيلي تجاه التجمعات الفلسطينية، ويكشف عن منظومة انتهاكات ممنهجة تستهدف الأرض والإنسان والمقدسات الدينية في الضفة الغربية المحتلة، ضمن مسار استيطاني متصاعد يكرّس واقع السيطرة والتهجير القسري.
في الحادثة الأولى، اقتحم نحو 50 مستوطنًا مساء الثلاثاء قرية شلال العوجا تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال، وفق ما أكده حسن مليحات، المشرف العام على منظمة “البيدر” التي تعنى بحقوق التجمعات البدوية. الانتشار العسكري الكثيف وإغلاق الطرق المؤدية إلى المنطقة خلال الاقتحام، يشير إلى تواطؤ رسمي من جانب الجيش الإسرائيلي في تسهيل التحركات الاستيطانية. وهذا النمط من التحرك الجماعي، تحت غطاء أمني، ليس جديدًا، بل يمثل جزءًا من خطة منظمة تهدف إلى فرض السيطرة على الأرض وتهجير السكان الأصليين، خاصة في المناطق الرعوية والزراعية التي تشكّل هدفًا استراتيجيًا للمستوطنات.
الزحف الاستيطاني الناعم
ويأتي هذا الاقتحام في إطار ما بات يعرف بـ”الزحف الاستيطاني الناعم”، الذي لا يعتمد على إقامة مستوطنات جديدة فقط، بل يشمل أيضًا ترويع السكان، ومضايقتهم، وتحويل حياتهم اليومية إلى كابوس، ما يدفعهم تدريجيًا إلى الرحيل. ويستهدف هذا النمط من الهجمات تحديدًا المجتمعات البدوية التي تعيش في المناطق المصنفة “ج”، حيث السيطرة الإسرائيلية الكاملة بموجب اتفاقيات أوسلو، ما يجعل هذه المجتمعات في موقع هش لا تملك فيه الحد الأدنى من الحماية القانونية أو المؤسسية.
أما في الخليل، فقد شهد الحرم الإبراهيمي الشريف اعتداءً جديدًا طال اثنين من موظفي الأوقاف أثناء عملهما، معتصم سدر ومنجد النتشة، حيث تعرضا للضرب من قبل جنود الاحتلال داخل باحات الحرم، ما أدى إلى إصابتهما ونقلهما للمستشفى. هذا الاعتداء ليس حادثًا فرديًا، بل يندرج ضمن سياسة إسرائيلية واضحة تهدف إلى تقويض الإدارة الفلسطينية للحرم الإبراهيمي، ومحاولة فرض وقائع جديدة فيه عبر التنكيل بالعاملين، وتضييق الخناق على المصلين من خلال التفتيش والبوابات الإلكترونية ومنع الأذان.
غياب تحرك دولي فاعل
مدير عام أوقاف الخليل، أمجد كرجة، أكد أن هذا الحادث يأتي في سياق سلسلة انتهاكات ممنهجة تطال الحرم والعاملين فيه، حيث تحوّلت ساحاته إلى ساحة اشتباك دائم بين قوات الاحتلال ومرتادي المكان، بدل أن تكون فضاءً للعبادة والطمأنينة. وتكتسب هذه الاعتداءات بُعدًا خطيرًا في ظل الطابع الديني للمكان، الذي يُفترض أن يكون محميًا بموجب الاتفاقيات الدولية، خصوصًا اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية والدينية أثناء النزاعات المسلحة.
دعوة وزارة الأوقاف للمؤسسات الحقوقية والإنسانية للتدخل العاجل لحماية الحرم والعاملين فيه تعبّر عن حالة من العجز أمام تصاعد هذه الانتهاكات، في ظل غياب أي تحرك دولي فاعل يلزم إسرائيل باحترام المواثيق الدولية. وقد تحوّل الحرم الإبراهيمي إلى مرآة تعكس واقع التمييز العنصري الذي يعيشه الفلسطينيون في الخليل، حيث تُمنح الامتيازات للمستوطنين وتُفرض القيود على السكان الأصليين، في واحدة من أكثر صور نظام الفصل العنصري وضوحًا في الأراضي المحتلة.
محاسبة الاحتلال
هذه الحوادث، وإن بدت منفصلة جغرافيًا وزمنيًا، تشكّل معًا جزءًا من منظومة احتلالية واحدة، تستهدف الوجود الفلسطيني بمستوياته الثلاثة: الأرض، والسكان، والمقدسات. فبينما يُهاجم البدو في أريحا في أراضيهم، يُقمع موظفو الأوقاف في الخليل في أماكن عملهم الديني، وتستمر السياسات التي تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها وإحلال واقع استيطاني جديد مكانه.
تُظهر هذه التطورات أن الاحتلال لم يعد يتعامل مع مناطق الضفة الغربية باعتبارها أراضٍ “متنازع عليها” كما تروج الرواية الإسرائيلية، بل كمساحات يجب حسم السيطرة عليها ميدانيًا، بغض النظر عن الثمن الإنساني أو القانوني. وفي ظل تواطؤ دولي متزايد أو صمت فعلي، تبقى هذه الانتهاكات مرشحة للتصاعد، ما لم يتحرك المجتمع الدولي باتجاه محاسبة الاحتلال على جرائمه، وتوفير حماية حقيقية للمدنيين والمقدسات في الأراضي المحتلة.





