في بلد تمزقه الحرب منذ أكثر من تسع سنوات، لم تعد الأزمة في اليمن مجرد ملف سياسي أو إنساني، بل تحوّلت إلى كارثة اقتصادية مركبة، تقود واحدة من أكبر موجات هروب رؤوس الأموال في تاريخ المنطقة. في مشهد يعكس حالة العجز الكامل عن استعادة الدولة أو حتى تنظيم الحد الأدنى من الحياة الاقتصادية، تتسارع وتيرة الانهيار المالي مع تدهور العملة وتفاقم الانقسام النقدي، بينما يسلك رأس المال طريقه نحو الخارج بلا عودة.
فخلال سنوات الصراع، انتقلت البلاد من أزمة سيولة إلى انهيار مؤسساتي واسع شمل البنوك والمصارف وقطاع الأعمال. وفيما تتحدث التقديرات عن خروج أكثر من 33 مليار دولار من الاستثمارات اليمنية منذ عام 2010، فإنّ الأعوام الأخيرة شهدت ما يمكن وصفه بـ”الانفجار الصامت” لرأس المال الوطني، في ظل غياب بيئة آمنة، وتراجع ثقة المستثمرين بأي أفق اقتصادي في الداخل.
الأردن ومصر ودول الخليج، إلى جانب إثيوبيا ودول القرن الأفريقي، أصبحت وجهات بديلة يهاجر إليها المال اليمني، ويفتح فيها رجال الأعمال مشاريعهم بعيدًا عن تعقيدات الحرب وتعسف السلطات المتصارعة. وتشير بيانات وزارة الاستثمار الأردنية، إلى أن أكثر من 12 مليون دولار دخلت عبر قنوات الاستثمار الرسمية حتى عام 2023، بينما تُقدّر استثمارات القطاع الخاص اليمني بما يفوق 60 مليون دولار موزعة على قطاعات متعددة، من الصناعات الغذائية إلى المطاعم والمراكز التجارية.
رجل الأعمال حسن الكبوس، رئيس مجموعة “الكبوس”، كشف أن قرار التوسع في الأردن جاء بعد قراءة دقيقة للمشهد الاقتصادي اليمني، والذي لم يعد يسمح بالتخطيط أو التشغيل الطبيعي. وعلى الرغم من استمرار بعض أنشطة المجموعة في الداخل، إلا أن المؤشرات واضحة: المستقبل لم يعد في اليمن، ما دامت الفوضى السياسية والانفلات الأمني يحكمان المشهد.
ويفسّر خبراء اقتصاد هذه الهجرة بخروج الثقة نهائيًا من السوق المحلية. فالقطاع المصرفي يعاني انقسامًا مزدوجًا بين صنعاء وعدن، مع غياب بنك مركزي موحد، وفوضى في التعامل بالريال اليمني، وتضخم جنوني، وانعدام في السياسات النقدية المستقرة. كما أن الحروب الموازية التي شنتها جماعات مسلحة على المصارف الخاصة، دفعت ما تبقى من المستثمرين إلى الهروب الفوري.
في السياق نفسه، يشير البرلماني والسفير اليمني السابق، علي العمراني، إلى أن غياب الترحيب والاستقرار في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا كان حاسمًا في نزوح الاستثمار، وأن عدن التي كانت تمثّل أملًا لعودة المشاريع الوطنية، تحوّلت إلى ساحة لصراعات نفوذ بين أطراف محلية وإقليمية، ما رسّخ لدى رجال الأعمال شعورًا باللاجدوى.
ما يزيد الطين بلّة، هو غياب أي خطة حكومية فعلية لإعادة بناء الثقة الاقتصادية. فلا برامج إصلاح، ولا استراتيجيات لإعادة هيكلة النظام المالي، ولا حتى رسائل طمأنة تصدر من الجهات الرسمية. وفي ظل هذا الجمود، لا يبدو أن النزيف سيتوقف قريبًا، بل إنّ المخاوف تتزايد من أن تصبح الهجرة الاستثمارية ظاهرة دائمة، تصادر أي فرصة مستقبلية للتعافي.
وبينما يُسجّل اليمن واحدة من أسوأ المؤشرات الاقتصادية في العالم، تزداد الهشاشة المالية مع كل يوم يُغادر فيه مستثمر أو تُقفل فيه منشأة محلية. ولم يعد الأمر يتعلّق بتراجع في الناتج المحلي أو ضعف في الإيرادات، بل بتآكل شامل في الثقة، وهو العامل الأخطر في معادلة الاقتصاد، لأنه حين يهاجر، لا يعود بسهولة.
وفي غياب الحل السياسي وانعدام الضمانات، لا يمكن الحديث عن استقرار اقتصادي حقيقي. فتأجيل المعالجة، أو التعامل مع الانهيار وكأنه ظرفي، سيُفضي إلى ما هو أسوأ من الفقر والبطالة: تفريغ اليمن من أدواته الاقتصادية، وتكريس التبعية التامة للمساعدات الخارجية، في مشهد يعمّق الهشاشة ويُطيل أمد المأساة.






