أثار المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، جدلاً واسعاً إثر تصريحاته التي دعا فيها قوات سوريا الديمقراطية “قسد” إلى التخلي عن “أحلام النظام الفيدرالي”، والانخراط في مسار الدولة المركزية، واصفاً النظام الفيدرالي بأنه “لا يصلُح في سوريا”، ومشدداً على أن الطريق الوحيد المتاح لقسد هو “الطريق إلى دمشق”. هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام، لا على القوى السياسية السورية، ولا على الأوساط الشعبية، ولا حتى على المنصات الحقوقية، التي اعتبرت كلام باراك انعطافة حادة في الخطاب الأمريكي إزاء مستقبل التشكيل السياسي في سوريا.
ففي الوقت الذي تشهد فيه الساحة السورية حالة من الغموض السياسي، وتعيش البلاد مرحلة انتقالية غير مستقرة، جاءت تصريحات باراك لتغذي التوترات بين المكونات السورية المختلفة، وخصوصاً في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، والتي لطالما رأت في النموذج الفيدرالي وسيلة لضمان تمثيل سياسي عادل وحماية للخصوصيات الثقافية والقومية، خاصة بالنسبة للأكراد.
انقسام القوى والأحزاب
ردود الأفعال على التصريحات كشفت عن انقسام واضح. القوى والأحزاب السورية سارعت إلى إصدار بيان عبّرت فيه عن قلقها البالغ مما وصفته بتدخل غير متوازن في الشأن السوري، مؤكدة أن ما صدر عن باراك “يتناقض مع دوره كوسيط لتقريب وجهات النظر”، ويضر بالدور الأمريكي الذي يُفترض به أن يُسهم في تحقيق الأمن والاستقرار. المرصد السوري لحقوق الإنسان هو الآخر عبّر عن استيائه، وذكّر باراك بأن مهمته تقتضي التزام الحياد والنزاهة لا التحيّز لطرف دون آخر.
أما على مستوى الرأي العام، فقد انعكس الأمر عبر تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من يرى في تصريحات المبعوث الأمريكي دلالة على نية واشنطن التخلي عن قسد، وبين من رأى أنها خطوة واقعية لإعادة سوريا إلى كنف الدولة المركزية وإنهاء أي مشاريع تقسيمية محتملة.
المخاوف من الفيدرالية تعود إلى نظرة متجذّرة في الوعي الجمعي السوري، ترى في أي مشروع فيدرالي نواة لتقسيم البلاد. وقد عبّر كثير من المعلّقين عن هذه الهواجس بوضوح، محذّرين من أن الفيدرالية، حتى وإن طرحت تحت عنوان “اللامركزية”، قد تكون تمهيداً لانفصال فعلي لمكوّنات معيّنة من النسيج السوري. البعض استحضر كذلك “مخطط الشرق الأوسط الكبير”، متهماً واشنطن بأنها تتحدث اليوم ضد الفيدرالية، في الوقت الذي كانت -وفق رؤيتهم- من أوائل من دعم تجزئة سوريا إلى مناطق نفوذ متعددة خلال سنوات الحرب.
شرعية دور الشرع
وفي جانب آخر من تصريحات باراك، جاءت المقارنة التي عقدها بين رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، وبين مؤسس الولايات المتحدة ورئيسها الأول جورج واشنطن، لتثير بدورها تساؤلات إضافية. باراك تحدث عن انتقال واشنطن من ميادين الحرب إلى سدة الحكم، في تلميح واضح إلى شرعية دور الشرع، واصفاً إياه بأنه قد يكون “باني الدولة السورية الحديثة”. هذه المقاربة أثارت حفيظة البعض، لا سيما أن قسماً من السوريين ما زال ينظر إلى مشروع الشرع بعين الشك، ويعتبره امتداداً لفصائل جهادية متشددة، رغم التحولات التي طرأت على خطابه السياسي في السنوات الأخيرة.
هنا يبرز التناقض في المقاربة الأمريكية؛ فبينما تدعو واشنطن إلى توحيد الصف السوري تحت سلطة مركزية، هي في الوقت نفسه تسوّق لقيادة سياسية لا تحظى بإجماع داخلي، وترتبط ماضيها بجماعات موصوفة بالإرهاب من قبل المجتمع الدولي. هذه الازدواجية أثارت سخرية وانتقاداً حاداً في بعض الأوساط، خاصة مع التذكير بأن الولايات المتحدة نفسها تعتمد النظام الفيدرالي، الذي مكّنها من أن تكون واحدة من أكثر الدول استقراراً سياسياً وتنوعاً ثقافياً.
تحوّل استراتيجي في الرؤية الأمريكية
تصريحات المبعوث الأمريكي لم تأتِ في سياق دبلوماسي محسوب بقدر ما عكست تحوّلاً استراتيجياً في الرؤية الأمريكية تجاه مستقبل قسد ومشروع الفيدرالية شمال شرق سوريا. كما أنها زادت من الضبابية التي تكتنف المشهد السياسي، وطرحت علامات استفهام كبيرة حول الدور الأمريكي في المرحلة الانتقالية السورية، ومدى صدقية واشنطن في دعم حل سياسي جامع، يحترم التنوّع السوري دون الانحياز إلى تصور معين للدولة على حساب تصورات أخرى نابعة من الواقع المحلي.
في هذا السياق، يُمكن القول إن المبعوث الأمريكي خسر جانباً من رصيده كوسيط، في مقابل تحقيق مكسب مؤقت في ترسيخ رؤية الدولة المركزية، لكن السؤال الأهم الذي يبقى معلقاً: هل تملك واشنطن فعلاً القدرة أو الإرادة لترجمة هذه التصورات على الأرض السورية، حيث تتشابك الحسابات الإقليمية والدولية، ويتزايد نفوذ القوى الأخرى؟






