عاد معبر رفح إلى الواجهة مجددًا بوصفه نافذة أمل نادرة لسكان قطاع غزة المنهك، لكن الأيام الأولى لإعادة فتحه كشفت أن الطريق بين الضفتين ما زال محفوفًا بالتعقيد والقيود، وبين انتظار طويل، وأعداد رمزية من العابرين، وإجراءات أمنية مشددة، وجد المرضى والنازحون أنفسهم عالقين بين الحاجة الإنسانية الملحّة وحسابات السياسة والأمن.
مشاهد التكدس على جانبي الحدود، وشهادات العائدين، أعادت طرح السؤال الجوهري: هل يشكّل فتح رفح انفراجة حقيقية لمعاناة غزة، أم مجرد خطوة محدودة لا ترقى إلى حجم الكارثة الإنسانية المستمرة؟
تأخيرات واستجوابات وقيود إسرائيلية
تجمع الفلسطينيون على جانبي حدود غزة مع مصر يوم الثلاثاء على أمل المرور عبر معبر رفح ، بعد أن شابت إعادة فتحه في اليوم السابق تأخيرات واستجوابات وعدم يقين بشأن من سيُسمح له بالعبور.
على الجانب المصري، كان هناك فلسطينيون نزحوا من غزة في وقت سابق من حرب إسرائيل وحماس بحثاً عن العلاج، وفقاً لما ذكرته قناة القاهرة الإخبارية المصرية الرسمية. أما على الجانب الغزي، فقد تجمع فلسطينيون بحاجة إلى رعاية طبية غير متوفرة في غزة أمام أحد المستشفيات قبل أن تتجه سيارات الإسعاف نحو رفح، آملين في الحصول على خبر يسمح لهم بالعبور إلى الجانب الآخر.
أكد مكتب محافظ شمال سيناء يوم الثلاثاء أن عدداً غير معروف من المرضى ومرافقيهم عبروا من غزة إلى مصر. وصلت الحافلة التي تقل حوالي 40 فلسطينياً والتي دخلت غزة عبر رفح يوم الثلاثاء إلى مستشفى ناصر في خان يونس فجر الأربعاء، حيث استقبلتهم عائلاتهم بعد أن قضوا اليوم بأكمله في الانتظار.
على الرغم من اعتبارها خطوة إلى الأمام لوقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه في أكتوبر، إلا أن الأمر استغرق أكثر من 10 ساعات لعبور حوالي اثني عشر عائداً فقط ومجموعة صغيرة من الذين تم إجلاؤهم طبياً في كل اتجاه في اليوم الأول لإعادة فتح رفح.
الاحتلال يرفض دخول الإمدادات والمعدات الطبية
كان عدد الأشخاص المسموح لهم بالعبور يوم الاثنين أقل بكثير من الخمسين شخصاً الذين قال المسؤولون إنه سيُسمح لهم بالعبور في كل اتجاه، ولم يبدأ هذا العدد إلا بالكاد في تلبية احتياجات عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يأملون في إجلائهم لتلقي العلاج أو للعودة إلى ديارهم.
تركزت جهود الإجلاء صباح الثلاثاء حول مستشفى الهلال الأحمر في خان يونس، حيث وصل فريق من منظمة الصحة العالمية، ودخلت سيارة تقل مرضى وذويهم من مستشفى آخر. ثم توجهت مجموعة سيارات منظمة الصحة العالمية وسيارات الإسعاف الفلسطينية نحو رفح في انتظار العبور.
بينما كان المرضى والجرحى والنازحون ينتظرون العبور في كلا الاتجاهين، قال مسؤولون صحيون إن العدد الضئيل الذي سُمح له بالخروج حتى الآن لا يُقارن بالاحتياجات الهائلة لغزة. فقد دمرت سنتان من القتال جزءًا كبيرًا من بنيتها التحتية الطبية، وتركت المستشفيات تُكافح لعلاج الإصابات البليغة، وعمليات البتر، والأمراض المزمنة كالسرطان.
في مدينة غزة، وصف مدير مستشفى الشفاء، محمد أبو سلمية، الوضع الحالي بأنه “إدارة للأزمة، وليس حلاً لها”، مناشداً إسرائيل السماح باستيراد الإمدادات والمعدات الطبية. وكتب على صفحته في فيسبوك: “إن منع إجلاء المرضى ومنع دخول الأدوية بمثابة حكم بالإعدام عليهم”. حسب وكالة أسوشيتد برس.
مطالب بزيادة عمليات إيصال المساعدات
قال مسؤولون في الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية إن السماح بخروج عدد قليل من المرضى والقيود المفروضة على إدخال الإمدادات التي تشتد الحاجة إليها يطيل أمد الوضع الكارثي في غزة. وقال توم فليتشر، كبير مسؤولي الإغاثة في الأمم المتحدة: “يجب أن تعمل رفح كممر إنساني حقيقي حتى نتمكن من زيادة عمليات إيصال المساعدات”.
وصرح رائد النمس، المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، لوكالة أسوشيتد برس، بأنه تم نقل 16 مريضاً فقط يعانون من أمراض مزمنة أو جروح حرب، برفقة 40 من أقاربهم، من خان يونس إلى الجانب الفلسطيني من رفح يوم الثلاثاء – وهو عدد أقل من 45 مريضاً وجريحاً قيل للهلال الأحمر إنه سيسمح لهم بالدخول.
بعد أيام من الترقب لإعادة الافتتاح، ظل الأمل قائماً بأن تكون هذه خطوة أولى ذات مغزى. في خان يونس، انتظرت إيمان رشوان لساعات حتى عادت والدتها وشقيقتها من مصر، على أمل أن يرى الآخرون أحباءهم قريباً.
يقول المسؤولون إن عدد المعابر قد يزداد تدريجياً إذا نجح النظام، مع قيام إسرائيل ومصر بفحص الأشخاص المسموح لهم بالدخول والخروج. لكن المخاوف الأمنية والعقبات البيروقراطية سرعان ما خففت من التوقعات التي أثارها المسؤولون الذين اعتبروا إعادة فتح المعابر لأسابيع خطوة رئيسية في اتفاق وقف إطلاق النار.
شهدت البلاد تأخيرات يوم الاثنين بسبب خلافات حول وزن الأمتعة المسموح به. وأفاد مصدر مطلع لوكالة أسوشيتد برس، شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة المسألة الدبلوماسية، أن العائدين كانوا يحملون معهم أمتعة أكثر مما كان متوقعاً، مما استدعى مفاوضات إضافية.
ترقب مصري لمنع التهجير
من جانبه، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه سيتم السماح لأي شخص يرغب في المغادرة بالقيام بذلك في نهاية المطاف، لكن مصر قالت مراراً وتكراراً إنه يجب فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، خشية أن تستخدمه إسرائيل لإخراج الفلسطينيين من غزة. وذكر مكتب رئيس الوزراء أن نتنياهو كرر خلال اجتماع عقده يوم الثلاثاء مع المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف في القدس، “المطلب الذي لا هوادة فيه” لإسرائيل بنزع سلاح حماس قبل بدء أي عملية إعادة إعمار.
يُعتبر إعادة فتح المعبر أمراً بالغ الأهمية مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار مرحلة ثانية معقدة. وتتطلب هذه المرحلة تشكيل لجنة فلسطينية جديدة لإدارة غزة، ونشر قوة أمنية دولية، ونزع سلاح حماس، واتخاذ خطوات لبدء إعادة الإعمار.





