رغم مرور أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، فإن الهدوء المأمول لم يتحول إلى استقرار دائم، إذ لا تزال العمليات العسكرية المحدودة، وتعثر المفاوضات السياسية، واستمرار الأزمة الإنسانية، تلقي بظلالها على مستقبل القطاع.
وبينما تراجعت وتيرة القتال مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، فإن الملفات الأكثر حساسية، مثل نزع سلاح حركة حماس، وإدارة غزة بعد الحرب، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، ما تزال دون حلول نهائية.
قطاع يعيش بين الهدنة والدمار
يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة أوضاعًا إنسانية معقدة، في ظل دمار واسع طال الأحياء السكنية والبنية التحتية، فيما لا يزال عدد كبير من السكان يقيمون في مراكز إيواء أو بين أنقاض منازلهم.
وتشير المعطيات إلى أن القوات الإسرائيلية تواصل السيطرة على مساحات واسعة داخل القطاع، في وقت تؤكد فيه الحكومة الإسرائيلية تمسكها بترتيبات أمنية تعتبرها ضرورية لمنع تكرار هجمات مستقبلية.
العنف لم يتوقف بالكامل
ورغم سريان وقف إطلاق النار، لا تزال الضربات العسكرية والحوادث الأمنية تُسجل بشكل متكرر، ما يؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى بين الفلسطينيين.
وتقول السلطات الصحية في غزة إن أكثر من ألف فلسطيني قتلوا منذ بدء الهدنة، بينما تؤكد إسرائيل أنها تستهدف عناصر مسلحة وتنفذ عمليات مرتبطة بمتطلبات أمنية، في حين تتهم حركة حماس باستخدام المناطق المدنية في أنشطتها العسكرية.
ويعكس استمرار هذه الحوادث هشاشة الاتفاق، الذي لم ينجح حتى الآن في إنهاء المواجهة بصورة كاملة.
إعادة الإعمار تنتظر الحلول السياسية
تعطلت المراحل اللاحقة من اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها إطلاق برنامج إعادة إعمار واسع للقطاع، بسبب استمرار الخلافات حول مستقبل الحكم في غزة والترتيبات الأمنية المطلوبة بعد الحرب.
وتُعد قضية نزع سلاح حماس من أبرز العقبات أمام الانتقال إلى المرحلة التالية، إذ ترى إسرائيل أن أي إعادة إعمار يجب أن تترافق مع ضمانات أمنية تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للحركة، بينما تربط حماس أي خطوات في هذا الاتجاه بتفاهمات سياسية وأمنية أشمل.
مستقبل غزة بين التسوية والجمود
كان المجتمع الدولي قد تعهد بتقديم مليارات الدولارات لدعم إعادة إعمار القطاع، إلا أن تنفيذ هذه الوعود بقي محدودًا في ظل غياب اتفاق سياسي يحدد شكل الإدارة المقبلة وآليات الإشراف على مشاريع الإعمار.
وتطرح في هذا السياق عدة سيناريوهات، من بينها تشكيل إدارة مدنية جديدة، ونشر قوة دولية للمساعدة في حفظ الاستقرار، إلا أن هذه المقترحات لا تزال تصطدم بتباين مواقف الأطراف المعنية.
هدنة بلا نهاية للصراع
تكشف تطورات ما بعد وقف إطلاق النار أن إنهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء أسباب الصراع. فبين الدمار الواسع، واستمرار سقوط الضحايا، وتعثر المفاوضات، تبقى غزة أمام مرحلة انتقالية غامضة، يتوقف مستقبلها على قدرة الوسطاء والأطراف المتنازعة على تجاوز الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها الأمن، والحكم، وإعادة الإعمار.






