المشهد الصحي في غزة بلغ مرحلة حرجة تنذر بانهيار كامل للمنظومة الطبية المتبقية في القطاع. التحذيرات الصادرة عن وزارة الصحة بشأن نفاد الوقود خلال أيام قليلة ليست مجرد نداء استغاثة عابر، بل مؤشر على أن المستشفيات، التي تعمل منذ شهور في ظروف استثنائية، باتت عاجزة عن الصمود أمام الضغط المتواصل للحرب والحصار.
الوقود يمثل شريان الحياة في المستشفيات الغزّية، فهو الذي يُبقي على عمل المولدات الكهربائية التي تغذي وحدات العناية المركزة وغرف العمليات وأجهزة غسيل الكلى والحضّانات الخاصة بالأطفال. ومع توقف إمداداته، تصبح كل محاولة لتوزيع التشغيل أو تقنينه بلا جدوى، إذ لا يمكن تعطيل الأجهزة التي تعتمد على الكهرباء المستمرة من دون التسبب بموت المرضى. هذا يعني أن آلاف الأرواح أصبحت مهددة مباشرة في الساعات والأيام المقبلة.
ضغط شديد على المعدات والفرق الطبية
الضغط يشتد على الفرق الطبية التي تجد نفسها أمام معادلة قاسية: مئات الجرحى يتدفقون يومياً نتيجة القصف، في حين أن البنية التحتية الصحية شبه مدمرة، والأدوية والمستلزمات في أدنى مستوياتها، والآن يضاف إلى كل ذلك خطر انقطاع الكهرباء بشكل كامل. في مثل هذا الوضع، يصبح الطبيب عاجزاً عن إجراء أبسط تدخل جراحي أو إنعاش حالة حرجة، ما يحوّل المستشفيات من مراكز إنقاذ حياة إلى أماكن تفاقم فيها المأساة.
الواقع الإنساني يتجاوز حدود المستشفيات نفسها، إذ إن توقفها يعني غياب أي إمكانية لعلاج المصابين أو المرضى المزمنين، مثل مرضى السرطان وغسيل الكلى، الذين يعتمدون على جلسات منتظمة. كما أن الأطفال الخدج الذين يعيشون على أجهزة التنفس الصناعي والحضانات سيكونون أول الضحايا. الأزمة، إذا لم يُتدارك أمرها سريعاً، ستتحول إلى مجزرة صامتة بحق آلاف المدنيين غير القادرين على مغادرة القطاع أو الحصول على بدائل علاجية.
عجز المجتمع الدولي
المعاناة في غزة تكشف عن جانب آخر من الحرب، يتمثل في استخدام الحصار كوسيلة للضغط الجماعي، عبر استهداف حق أساسي مثل الرعاية الصحية. وفي ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض ممرات إنسانية آمنة لتزويد المستشفيات بالوقود، يبقى الأطباء والمرضى والجرحى في مواجهة مصير محتوم، يفاقمه الصمت الدولي والاكتفاء ببيانات القلق.
ما يحدث اليوم في مستشفيات غزة لا يعكس مجرد أزمة وقود، بل انهياراً شاملاً لنظام الرعاية الصحية في منطقة محاصرة، حيث يتحول البقاء على قيد الحياة إلى صراع يومي ضد الجوع والمرض وانقطاع الكهرباء. الكارثة تقترب بسرعة، ومعها يصبح الحديث عن أي إصلاح أو إعادة إعمار في المستقبل بلا معنى، إذا لم يُنقذ الحاضر أولاً.






