يقف مضيق هرمز مجدداً عند مفترق طرق حرج يتجاوز حدود التفاهمات الملاحية المباشرة؛ ليتحول إلى ساحة كسر إرادات مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما تسعى الوساطة العُمانية لترتيب مسارات بحرية آمنة خالية من العوائق، تتصاعد الفجوة بين شروط طهران المعقدة لاستعادة حركة الملاحة الكاملة، وبين استراتيجية واشنطن التي تراهن على خيار الضغط الاقتصادي بالتوازي مع التلويح العسكري.
وقد رسم نقاش موسّع شهدته “غرفة الأخبار” أبعاد هذا التشابك الإقليمي والدولي من خلال ثلاث قراءات تحليلية قدمها كلّ من وزير الإعلام الكويتي الأسبق الدكتور سامي النصف، ورئيس تحرير صحيفة “إيران دبلوماتيك” الدكتور عماد أبشناس، والسياسي العراقي المستقل غانم العابد.
1. الرؤية الكويتية: واشنطن تملك قوة الردع.. و«اقتصاد الحرب» يحكم مشهد طهران
قدم الدكتور سامي النصف قراءة ترتكز على موازين القوة الاقتصادية والعسكرية، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تفاوض من موضع تفوق مريح:
موازين التفوق والردع: تشبيه العلاقة بين الطرفين بـ”رقصة التانغو”، مع تأكيد أن واشنطن هي من يملك اليد العليا بفضل التفوق الصناعي والعسكري، فضلاً عن أن التصعيد في هرمز لم يضر بالاقتصاد الأمريكي بل انعكس أرباحاً غير مسبوقة لشركات النفط الذاتية.
تناقض الخطاب الإيراني: الإشارة إلى التباين الملحوظ بين تصريحات الدبلوماسية الإيرانية الداعية للتفاهم الإجرائي، وبين طرح شروط ستة وصفها بشروط “المنتصر” (من قبيل التعويضات والسيطرة على الممر)، وهي مطالب يصعب على واشنطن القبول بها.
ديناميكيات «اقتصاد الحرب»: التأكيد على أن الحرس الثوري الإيراني – بوصفه محركاً لنسبة كبيرة من الناتج المحلي – قد يستفيد من حالة الضبابية والتأرجح في تصريحات التهدئة والتصعيد، لما تحققه من تقلبات في أسعار النفط والذهب تتيح مكاسب مالية ضخمة.
علامات استفهام الملف النووي: طرح تساؤلات حول جدوى رفع نسب تخصيب اليورانيوم إلى 60% وتراكم المئات من الكيلوغرامات، متسائلاً عن الضمانات الإيرانية لتجنب التصعيد، ومحذراً من خطورة مساس الملاحة بممرات حيوية أخرى كـ “باب المندب”.

2. المنظور الإيراني: «الوجود والأمن» أولاً.. وتصلب التيار المتشدد
في المقابل، عرض الدكتور عماد أبشناس التحولات التي شهدها الداخل الإيراني عقب التصعيد العسكري الأخير، مؤكداً إعادة ترتيب الأولويات الوطنية:
تراجع المطلب الاقتصادي أمام الخطر الوجودي: بعد أن كانت الضغوط المعيشية تدفع الشارع نحو الاحتجاج، أدت الضربات العسكرية إلى توحيد الداخل وجعل ملف الأمن والقومية في صدارة الأولويات متقدماً على الملف الاقتصادي.
انقسام صناعة القرار في طهران: كشف التفاهم الإطاري الأخير عن صراع إرادات داخل مؤسسات الحكم؛ بين تيار يراهن على التفاوض يقوده الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي لرفع العقوبات، وتيار متشدد يزداد نفوذاً ويرفض فتح المضيق أو وقف الحرب قبل استيفاء الشروط الإيرانية كاملة.
أزمة الثقة بالضمانات الأمريكية: التأكيد على أن عقبة التوصل إلى اتفاق لا تكمن في موقف حكومة بزشكيان، بل في الغياب التام لضمانات أمريكية ملزمة تضمن عدم تكرار الخروقات والإفراج الفعلي عن الأموال المجمدة.
3. التحليل العراقي: شراء الوقت واختبار البدائل الإقليمية
من جانبه، ركز السياسي العراقي غانم العابد على أبعاد الصراع الميداني وانعكاساته الجيوسياسية على دول الجوار:
استراتيجية التهدئة المؤقتة: اعتبار التفاهمات الحالية حول فتح جزئي أو مؤقت للمضيق مجرد محاولات حذرة من الطرفين لـ “شراء الوقت”، وتأمين حركة الطاقة وإعادة التزود والتسليح قبل جولة صراع أشد.
فرضية السعي لتغيير النظام: ترجيح أن الهدف الأمريكي النهائي يتجاوز الملف الصاروخي والنووي للوصول إلى تغيير النظام في طهران، وهو ما يدفع الأخيرة للمراهنة على توسيع نطاق الصراع ليشمل مضيق باب المندب وقناة السويس للإضرار بتجارة الطاقة العالمية.
البحث عن مسارات نفطية بديلة: التأكيد على أن تداعيات إغلاق هرمز طالت حلفاء طهران قبل خصومها، مما دفع الحكومة العراقية إلى التحرك سريعاً نحو تركيا لتأمين تصدير 1.5 مليون برميل يومياً، إلى جانب بحث تفعيل خط بانياس عبر سوريا لتفادي الارتهان الملاحي للمضيق.






