في مشهدٍ يعكس عمق المأساة التي تعيشها الحركة الأسيرة الفلسطينية، استُشهد اليوم الخميس 17 يوليو المعتقل سمير محمد يوسف الرفاعي (53 عامًا) داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، بعد سبعة أيام فقط من اعتقاله، في واقعة تُضاف إلى سلسلة الجرائم المتواصلة بحق الأسرى، والتي تكشف مدى الانحدار الأخلاقي والقانوني لمنظومة السجون الإسرائيلية، وتعرّي عجز العالم عن التدخل أو حتى مساءلة هذا النظام.
ظروف احتجاز قاسية
الشهيد الرفاعي، وهو أب لخمسة أبناء من بلدة رمانة قضاء جنين، لم يكن حالة صحية عادية قبل اعتقاله. فحسب إفادات العائلة وتقارير طبية سابقة، كان يعاني من مشاكل مزمنة في القلب تتطلب متابعة ورعاية صحية مستمرة. غير أن سلطات الاحتلال لم تراعِ حالته أو ظرفه، بل اقتادته من منزله في العاشر من يوليو الجاري، وزجّت به في ظروف احتجاز قاسية، كان من المفترض أن يُعرض في أول جلسة لمحكمة “سالم” العسكرية اليوم، قبل أن يُعلن عن استشهاده.
هذه الحادثة تفضح بوضوح الطبيعة الانتقامية المتأصلة في طريقة تعاطي الاحتلال مع المعتقلين الفلسطينيين، الذين لا يُعاملون كأسرى وفق القانون الدولي الإنساني، بل كأهداف مفتوحة للتنكيل الجسدي والنفسي. وتؤكد المعلومات الرسمية الصادرة عن هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير أن الشهيد قضى نحبه نتيجة ما وصفوه بـ”الجرائم الطبية والتعذيب والتجويع”، وهي ممارسات باتت جزءًا من الروتين اليومي في سجون الاحتلال، وتُمارس بغطاء قانوني وسياسي إسرائيلي، وصمت دولي فاضح.
أداة قتل ممنهج
وباستشهاد الرفاعي، يرتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 74 شهيدًا منذ بدء العدوان الحالي، و311 شهيدًا منذ عام 1967. هذه الأرقام، وإن كانت توثّق واقعًا دامياً، لا تعبّر عن الحجم الحقيقي للكارثة، في ظل وجود جريمة الإخفاء القسري، التي تمارسها إسرائيل بحق العشرات من المعتقلين، والتي تحرم ذويهم من معرفة مصيرهم، أو حتى مجرد التأكد من بقائهم أحياء.
الدلالات التي يمكن استخلاصها من استشهاد الرفاعي عديدة وخطيرة. أولها، أن منظومة السجون الإسرائيلية لم تعد مجرد أداة لاحتجاز الفلسطينيين، بل تحوّلت إلى أداة قتل ممنهج وبطيء، يُستخدم فيها الطب كسلاح، والتجويع كأداة ضغط، والإهمال الطبي كوسيلة لإعدام المعتقلين دون محاكمة. وثانيًا، أن هذا النمط من القتل غير المباشر يعكس تحوّل الاحتلال إلى ما يشبه “نظامًا فاشيًا” يستبيح حياة الإنسان الفلسطيني حتى داخل الزنازين، التي من المفترض أن تكون محكومة بضوابط قانونية دولية.
تفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية
ثالثًا، تُظهر هذه الحادثة كيف أن منظومة العدالة الدولية نفسها أصبحت عاجزة أو متواطئة، في ظل غياب أي آلية حقيقية لمحاسبة قادة الاحتلال، واستمرار حالة الحصانة التي توفرها بعض الدول لإسرائيل، باعتبارها فوق المساءلة. هذه الحصانة لا تقتصر على القادة السياسيين والعسكريين، بل تمتد إلى البنية الأمنية الكاملة، بما فيها إدارة مصلحة السجون، والأطباء المتورطين في تغطية جرائم الإهمال الطبي، وفرق التحقيق التي تُمارس التعذيب وتُشرّعه.
وفي ظل هذا الواقع القاتم، فإن استشهاد سمير الرفاعي لا يجب أن يُقرأ كحادثة فردية، بل كجزء من سياسة عامة للإبادة البطيئة ضد الأسرى الفلسطينيين، تتقاطع مع سياسات الإبادة الجماعية الجارية في غزة، والحصار، والاستيطان، ومحاولات تفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية. إن ما يجري في السجون اليوم ليس إلا مرآة لما يحدث خارجها، من انتهاك للكرامة، وتجريد من الحقوق، وسحق لكل أشكال الحياة.
مشروع مقاومة شامل
ولعلّ أخطر ما في هذه المرحلة، أن الاحتلال يسير بثبات نحو فرض واقع جديد، تكون فيه الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال غير ممكنة، سواء داخل الزنزانة أو خارجها. وهذا ما يجعل من قضية الأسرى، وفي القلب منها استشهاد الرفاعي، قضية يجب أن تُعاد إلى صدارة الخطاب السياسي الفلسطيني والعربي والدولي، لا بوصفها ملفًا إنسانيًا فقط، بل كأولوية وطنية يجب أن يُبنى عليها مشروع مقاومة شامل، يُخاطب العالم بلغة القانون، لكنه لا ينتظر منه عدالة.
إن استشهاد سمير الرفاعي هو جرس إنذار أخير، بأن الصمت الدولي يُغذي آلة القتل الإسرائيلية، وبأن المعركة من أجل إنقاذ ما تبقى من أرواح داخل سجون الاحتلال، لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل أو الخطاب الدبلوماسي المجامل.




