في فلوريدا، لم تقع المعجزة المنتظرة. مرّة أخرى، خرج اللقاء بين الرئيسين الأميركي والأوكراني بعبارات ودّية وتصريحات دبلوماسية ناعمة، دون أي تقدّم ملموس. لا التزام سياسي جديد، ولا تنازلات حقيقية بشأن بنود خطة ترامب — رغم تأكيده أنه يحظى بموافقة على 95% منها — ولا بارقة أمل تُذكر على طريق السلام. كل ما خرج به الطرفان كان وعداً بلقاءٍ آخر في باريس مطلع العام المقبل، وكأن طاولة التفاوض لم تعد سوى محطة عبور لجولات طويلة من النقاشات الباردة.
وبينما تتبدّل المدن وتُجدَّد العواصم مواعيدها، تبقى أوكرانيا وحدها تدفع ثمن الانتظار. فمع حلول العام الجديد، تدخل البلاد شتاءً رابعاً مثقلاً بالبرد والقلق، وليلة رأس سنة لا تحمل لأغلب الأوكرانيين سوى مزيد من العتمة وتراجع الخدمات الأساسية.
أزمة كهرباء ومياه… وشتاء أكثر قسوة
تختتم أوكرانيا عام 2025 وهي في قلب أزمة متراكمة، لا تبدو لها نهاية قريبة. خلال العام الماضي، تدهورت المؤشرات على مختلف الجبهات: خطوط القتال تتراجع بوتيرة أسرع، وانقطاعات الكهرباء أصبحت أطول وأكثر تكراراً، والمباني أقل تدفئة، فيما تتزايد الخسائر البشرية بشكل مقلق.
مدينة أوديسا، التي ظلت لسنوات بعيدة نسبياً عن أسوأ فصول الحرب، باتت اليوم تواجه انقطاع المياه والتدفئة في أحيائها السكنية. المصانع تُغلق أبوابها لساعات وربما لأيام، وتلجأ بعض المؤسسات إلى مولدات كهرباء قديمة تعود للعهد السوفيتي، تُستخدم كحل اضطراري محدود الكفاءة في مواجهة عجزٍ متفاقم.
الهجمات الروسية، وفق تقديرات ميدانية، عطّلت نحو 70% من محطات الطاقة الحرارية في البلاد، وهو ما انعكس بشكل مباشر على قدرة أوكرانيا على تشغيل منشآت صناعية حيوية، بينها مصانع مرتبطة بإنتاج المعدات العسكرية. وفي المقابل، ورغم الدعم العسكري والتكنولوجي الواسع من دول الناتو، لم تتمكن القوات الأوكرانية من إلحاق أذى استراتيجي مماثل بالبنية الطاقوية داخل روسيا، واكتفت بأضرار جزئية متفرقة.
تصريحات زيلينسكي… وواقع الخيارات الصعبة
الرئيس فولوديمير زيلينسكي لم يُخفِ مخاوفه من قسوة الشتاء المقبل. ففي تصريح أدلى به في 21 نوفمبر/تشرين الثاني، قال إن البلاد قد تجد نفسها أمام “خيار بالغ الصعوبة”: إمّا خسارة كرامتها السياسية، أو خسارة شريك دولي رئيسي، أو القبول بما وصفه بـ“النقاط الـ28 القاسية” في الخطة المطروحة، أو مواجهة شتاء شديد القسوة — وربما جميع هذه السيناريوهات في آن واحد. وبرأي زيلينسكي، تمر أوكرانيا اليوم بإحدى أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث، مرحلة تختبر قدرة المجتمع والدولة على الصبر والتحمّل والبحث عن مخرج وسط ضباب الحرب.
الأوروبيون المترددون… والرهان على الدعم الدولي
جوهر الحجة الأوكرانية هو أن بلادهم تمثل حصناً منيعا لأوروبا ضد أي توسع روسي محتمل. من منظور كييف، سقوط أوكرانيا لن يقتصر على حدودها فحسب، بل قد يشعل موجة غزو روسي واسع، ربما تمتد حتى سواحل المحيط الأطلسي. وفي مواجهة هذا التحدي، يتخذ القادة الأوروبيون لهجة حذرة، مترددين في اتخاذ خطوات حاسمة. وتطمح السلطات الأوكرانية إلى تحويل الاحتجاجات الأوروبية الداعمة لها إلى حجة لإقناع بروكسل بزيادة الإمدادات المالية والعسكرية لتضاهي ما تقدمه الولايات المتحدة.
لكن الحقيقة الواقعية أكثر تعقيداً. إذ يبدو أن احتمال اندلاع صراع مباشر بين روسيا وأوروبا هو أمر أقرب إلى الوهم منه إلى واقع ملموس. وإذا كان الهدف الأوكراني هو تشكيل درع واقٍ يحمي القارة، فإن هذا الدرع مؤقت بطبيعته، ريثما تصل إعادة التسلح الأوروبي إلى مستوى فعّال. القادة في باريس ولندن وروما وبرلين يدركون هذه الحقيقة جيداً، ولهذا السبب لا يكتفون بضبط وتيرة إرسال الأسلحة الجديدة إلى كييف، بل امتنعوا أيضًا عن مصادرة الأصول الروسية، خشية تبعات قانونية أو اقتصادية غير محسوبة.
في هذا المناخ، تظل أوكرانيا على مفترق طرق: دولة تكافح على جبهتين — داخل حدودها وخارجها —، بينما العالم يراقب بترقب وحذر، والشتاء يزداد قسوة، والوقت ينفد دون حلول حقيقية تُنقذ البلاد من براثن الأزمة.






