تشير التطورات المتسارعة في جنوب لبنان إلى دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيدًا وطولًا، في ظل تصعيد عسكري متبادل بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، وسط تحذيرات ميدانية غير مسبوقة للسكان، وتحركات سياسية تعكس القلق الدولي من اتساع رقعة المواجهة.
إنذارات عاجلة وإخلاء قسري
في خطوة تصعيدية لافتة، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات عاجلة لسكان 11 بلدة وقرية في جنوب لبنان، دعاهم فيها إلى إخلاء منازلهم فورًا والابتعاد لمسافة لا تقل عن ألف متر نحو مناطق مفتوحة، مؤكدًا أن عملياته العسكرية تستهدف مواقع تابعة لـ«حزب الله».
وأشار الجيش إلى أن هذه التحركات تأتي ردًا على ما وصفه بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، محذرًا من أن أي تواجد بالقرب من عناصر الحزب أو منشآته قد يعرض المدنيين لخطر مباشر، في رسالة تعكس نية واضحة لتوسيع نطاق العمليات العسكرية.
وتواصل إسرائيل تنفيذ غارات جوية مكثفة على مناطق متفرقة من جنوب لبنان، بالتزامن مع سيطرة قواتها على شريط حدودي داخل الأراضي اللبنانية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العمليات لا تقتصر على استهداف مواقع عسكرية، بل تمتد لتشمل تدمير منازل ومنشآت مدنية تقول إسرائيل إنها تُستخدم كبنية تحتية من قبل «حزب الله».
ويعكس هذا النهج استراتيجية تهدف إلى حرمان الحزب من أي بيئة حاضنة أو نقاط ارتكاز مستقبلية، عبر سياسة الأرض المحروقة، التي قد تترك آثارًا إنسانية واقتصادية عميقة على المنطقة.
رد متصاعد من «حزب الله»
في المقابل، يواصل «حزب الله» تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ تستهدف القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان وعلى امتداد شمال إسرائيل، ما يؤكد استمرار قدرته العملياتية رغم الضربات المتكررة.
وتكشف المعركة الجارية عن تطور ملحوظ في أدوات القتال لدى الحزب، خاصة استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية المتقدمة، بما فيها تلك التي تعمل بتقنيات الألياف الضوئية، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة المواجهة.
وبرزت مدينة النبطية كأحد أبرز بؤر التصعيد، حيث تعمل إسرائيل على عزلها ميدانيًا من خلال إخلاء القرى المحيطة بها وقصفها بشكل مكثف، في إطار خطة لتوسيع الحزام الأمني نحو العمق اللبناني.
ويشير هذا التحرك إلى محاولة فرض واقع جغرافي جديد، يحدّ من حركة «حزب الله» ويقيد خطوط إمداده، لكنه في الوقت نفسه يرفع منسوب المخاطر على المدنيين ويزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
تحركات سياسية تعكس القلق الدولي
وعلى الصعيد السياسي، حملت زيارة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد إلى بيروت دلالات مهمة، خاصة أنها جاءت بعد غياب دام أشهر، وفي توقيت بالغ الحساسية.
وعقد كليرفيلد اجتماعًا استثنائيًا مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في قاعدة بيروت الجوية، حيث تم بحث تطورات الوضع الأمني وسبل تعزيز آليات مراقبة وقف الأعمال العدائية.
وأكد الاجتماع على أهمية دعم الجيش اللبناني خلال هذه المرحلة الدقيقة، في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة، والحاجة إلى تفعيل دور آليات التنسيق الدولية لمنع انزلاق الأوضاع نحو حرب شاملة.
نحو مواجهة طويلة الأمد
وتعكس المؤشرات الحالية أن الصراع في جنوب لبنان يتجه نحو نمط من المواجهة طويلة الأمد، يقوم على الاستنزاف المتبادل وتوسيع مناطق الاشتباك تدريجيًا.
فبينما تسعى إسرائيل إلى فرض واقع أمني جديد عبر التدمير والعزل الجغرافي، يعمل «حزب الله» على تطوير قدراته القتالية وتكثيف هجماته، ما يضع المنطقة أمام سيناريو مفتوح على كافة الاحتمالات، في ظل هشاشة التهدئة وغياب أفق سياسي واضح.




