تشهد الساحة السياسية العراقية تطورات لافتة، مع تزايد المؤشرات على وجود تحرك داخلي وخارجي باتجاه إعادة ضبط ملف الفصائل المسلحة، في إطار ما يوصف بأنه “إطار نظري أولي” قد يمهد لخطة أوسع لنزع السلاح وإعادة هيكلة بعض التشكيلات المرتبطة بهيئة «الحشد الشعبي».
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع نشاط سياسي مكثف يقوده رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي، الذي وصل إلى أربيل في زيارة تحمل أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي، نحو إعادة ترميم العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان.
تحرك سياسي نحو “إطار لنزع السلاح”
وأفادت مصادر سياسية في العراق بأن التحالف الحاكم يناقش تصوراً أولياً يهدف إلى معالجة ملف الفصائل المسلحة، عبر مسار تدريجي قد يبدأ بإعادة تنظيم الهيكل القيادي داخل «الحشد الشعبي»، وربما إعادة توزيع الصلاحيات بما يضمن تقليص مظاهر التعدد المسلح خارج إطار الدولة.
وبحسب التسريبات السياسية، فإن الطرح لا يزال في مرحلة النقاش غير الملزم، لكنه يعكس تغيراً في المزاج السياسي العام تجاه هذا الملف الشائك، خصوصاً في ظل الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة.
وفي تطور موازٍ، تداولت أوساط سياسية وإعلامية أنباء عن قيام فصيلين بارزين باتخاذ خطوات أولية تتعلق بالتخلي عن بعض أنواع السلاح الثقيل، وتسليمه إلى الجهات الرسمية ضمن «الحشد الشعبي».
لكن هذه المعلومات قوبلت بتشكيك واسع، حيث يرى مراقبون أن هذه الخطوات -إن صحت- قد تكون أقرب إلى “إجراء رمزي” أو محاولة لاختبار ردود الفعل الأمريكية والدولية، أكثر من كونها تحولاً جذرياً في بنية الفصائل أو عقيدتها العسكرية.
ويحذر خبراء من أن أي خطوات غير مكتملة أو شكلية قد تؤدي إلى تعقيد المشهد بدلاً من حله، خصوصاً في ظل تشابك المصالح الداخلية والخارجية في الملف العراقي.
رسائل ضغط وإعادة تموضع
في سياق متصل، أشارت مصادر مطلعة إلى أن الولايات المتحدة أعادت مؤخراً تفعيل جزء من تدفقات الدولار إلى العراق، بعد فترة من التقييد المرتبط بملف الفصائل المسلحة والنفوذ المالي المرتبط بها.
ويرى مراقبون أن هذا التحرك لا يمكن فصله عن الضغوط السياسية التي مورست خلال الأشهر الماضية، والتي هدفت إلى دفع بغداد نحو اتخاذ خطوات أكثر وضوحاً في ملف تفكيك أو إعادة تنظيم التشكيلات المسلحة خارج سيطرة الدولة.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، تركزت الأنظار على زيارة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي إلى أربيل، في إطار مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، ومحاولة فتح صفحة جديدة مع القوى الكردية، وعلى رأسها «الحزب الديمقراطي الكردستاني».
وخلال الزيارة، دعا الزيدي القيادات الكردية إلى إنهاء حالة المقاطعة السياسية في العراق، والانخراط الفاعل في العملية السياسية بما يسهم في تسريع تشكيل الحكومة وتثبيت الاستقرار.
وتعد هذه الخطوة مؤشراً على رغبة الحكومة المقبلة في إعادة بناء الثقة مع الإقليم، بعد سنوات من التوترات حول الملفات المالية والنفطية وتقاسم الصلاحيات.
بارزاني: فرصة جديدة لحل الخلافات
من جانبه، رحب رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني بالزيارة، مؤكداً أن هناك “فرصة جديدة تتشكل” لإعادة معالجة الملفات العالقة بين أربيل وبغداد بشكل جذري، وليس عبر حلول مؤقتة كما كان يحدث في السابق.
وأشار بارزاني إلى أن المرحلة الحالية تتطلب إرادة سياسية حقيقية لضمان استقرار طويل الأمد، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه العراق بشكل عام.
وتعكس هذه التطورات المتزامنة أن العراق يدخل مرحلة سياسية دقيقة، تتقاطع فيها ملفات السلاح، وإعادة تشكيل السلطة، والعلاقات بين المركز والإقليم، إضافة إلى التأثيرات الدولية المباشرة.
ورغم أن جميع التحركات لا تزال في إطار “المؤشرات الأولية”، إلا أن مجملها يشير إلى أن البلاد قد تكون مقبلة على إعادة رسم جزء مهم من معادلة القوة والنفوذ خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر تسويات سياسية أو تفاهمات أمنية واقتصادية أوسع.




