المتابع لمواقف حركة «حماس» خلال الأشهر الأخيرة يلحظ بوضوح حالة من الجمود السياسي الذي يكاد يرقى إلى العزلة الذاتية، فالحركة تكتفي بإصدار بيانات مقتضبة تؤكد استعدادها لمناقشة أي مقترحات من الوسطاء، لكنها في الواقع لم تُبدِ أي مرونة تُذكر في الملفات الجوهرية، وعلى رأسها قضية السلاح الذي تصر على اعتباره «حقاً وطنياً مقدساً» رغم أن الثمن الإنساني والعمراني في غزة أصبح كارثياً.
منطق بقاء السلاح
المفاوضات متوقفة منذ محاولة الاغتيال التي استهدفت قيادات الحركة في الدوحة، لكن اللافت أن «حماس» لم تتحرك لتبادر بفتح مسار بديل أو تقديم مبادرة خاصة بها، بل اكتفت بالصمت، تاركة ملايين الغزيين يواجهون مصيراً بالغ القسوة تحت القصف الإسرائيلي والحصار الممتد. وفي حين تتحدث الصحافة الإسرائيلية عن عروض أولية تشمل الإفراج عن الرهائن مقابل معتقلين فلسطينيين وانسحاب تدريجي من غزة وفق خطة أميركية، تظل الحركة تتعامل مع الأمر ببرود، وكأنها غير معنية بوقف النزيف المتواصل.
هذا الصمت يبدو في نظر كثيرين نوعاً من المقامرة السياسية، حيث تغلّب «حماس» منطق بقاء السلاح وهيبتها التنظيمية على منطق إنقاذ القطاع من دمار شامل. استمرار التمسك بالخطاب نفسه من دون أي تعديل أو مراجعة استراتيجية يجعل الحركة تبدو وكأنها تسير عكس اتجاه مصالح سكان غزة الذين باتوا يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة. فالمستشفيات تنهار، أعداد القتلى تتزايد يومياً، والنزوح الجماعي يطحن ما تبقى من المجتمع، بينما لم يظهر من قيادة الحركة سوى بيانات عامة تكرر العبارات ذاتها من دون تقديم مخرج حقيقي.
صمت حماس يزيد معاناة غزة
الواقع أن تمسك «حماس» بموقفها الحالي لا يُضعف إسرائيل بقدر ما يُنهك غزة نفسها. فالمعادلة أصبحت مختلة: الاحتلال يوسع عملياته العسكرية يوماً بعد يوم، المجتمع الدولي يتحدث عن حلول على الطاولة، والإدارة الأميركية تسعى لتمرير خطة تعتبرها تل أبيب «مناسبة»، بينما الطرف الفلسطيني الفاعل في الميدان يظل صامتاً يكتفي بالانتظار. هذه السياسة السلبية تحرم الغزيين من أي أمل في انفراجة قريبة، وتُبقي الكلفة الإنسانية وحدها في الواجهة.
إن النقد الموجه لـ«حماس» اليوم لا يتعلق بحقها في المقاومة كخيار سياسي أو عسكري، وإنما بغياب الحس الاستراتيجي في إدارة معركة بهذا الحجم، وإصرارها على عدم التنازل قيد أنملة حتى أمام كارثة إنسانية غير مسبوقة. فالحركة بموقفها الجامد تمنح إسرائيل مبرراً إضافياً للاستمرار في حملتها، وتمنع عن غزة فرصة قد تكون الأخيرة لالتقاط أنفاسها. بهذا المعنى، فإن الصمت الذي تمارسه «حماس» لم يعد حياداً أو ثباتاً، بل تحول إلى عبء ثقيل يدفع ثمنه الشعب الغزي يومياً تحت الركام.






