حذرت منظمة أوكسفام وشركاؤها الفلسطينيون من أن إعادة إعمار قطاع غزة ستكون أكبر وأعقد عملية تعافٍ تشهدها الأراضي الفلسطينية، مؤكدة أن نجاحها لن يتحقق عبر المبادرات الدولية وحدها، بل يتطلب قيادة فلسطينية كاملة للعملية، إلى جانب معالجة الأسباب السياسية التي قادت إلى الدمار. ويأتي ذلك في وقت تقدر فيه المؤسسات الدولية تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 71 مليار دولار خلال العقد المقبل.
فاتورة إعمار غير مسبوقة
يرى التقرير أن حجم الدمار الذي خلفته الحرب يجعل عملية إعادة الإعمار الحالية مختلفة عن جميع الجهود السابقة، إذ تشير التقديرات إلى أن تكلفتها تعادل نحو سبعة أضعاف مجموع تكاليف عمليات إعادة إعمار غزة السابقة.
وبحسب تقييم مشترك أعدته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في أبريل/نيسان 2026، بلغت الخسائر والأضرار الاقتصادية في غزة نحو 57.9 مليار دولار، بينما تحتاج عملية التعافي وإعادة البناء إلى 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة.
الدمار تجاوز المباني إلى المجتمع
يشدد التقرير على أن الخسائر لا تقتصر على المباني والبنية التحتية، بل تشمل انهيار مكونات الحياة الاجتماعية التي يصعب قياسها بالأرقام.
فالحرب، بحسب معدي التقرير، طالت المدارس والجامعات والمكتبات والمؤسسات الثقافية ودور العبادة، كما فقد القطاع آلاف المعلمين والأكاديميين والباحثين، ما أدى إلى خسارة جزء كبير من رأس المال البشري والمعرفي الذي يمثل أساس أي عملية تنمية مستقبلية.
ويرى التقرير أن إعادة بناء المجتمع ستستغرق سنوات طويلة، لأنها تتعلق باستعادة المؤسسات والعلاقات المجتمعية والذاكرة الثقافية، وليس فقط تشييد المباني.
النساء في مواجهة العبء الأكبر
يلفت التقرير إلى أن النساء تحملن النصيب الأكبر من تداعيات الحرب، بعدما أصبحن المسؤولات عن عشرات الآلاف من الأسر في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتدهور الخدمات الأساسية.
وتشير البيانات إلى أن نحو 58 ألف أسرة أصبحت تعيلها نساء، فيما تجاوزت البطالة بين النساء 90%، الأمر الذي ضاعف الأعباء المعيشية والاجتماعية.
كما توضح الدراسة أن كثيرًا من النساء يقضين ساعات طويلة يوميًا في تأمين المياه وإعداد الطعام ورعاية الجرحى، في ظل انهيار البنية الصحية والخدمية.
نظام صحي منهك واحتياجات إنسانية متفاقمة
ويبرز التقرير حجم التحديات الصحية التي يواجهها القطاع، إذ يحتاج أكثر من 50 ألف مصاب إلى برامج إعادة تأهيل طويلة الأمد، بينما يعيش آلاف الأشخاص من ذوي الإعاقة في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
كما يشير إلى الاكتظاظ الشديد في مراكز الإيواء، ونقص مرافق الصرف الصحي، وهي ظروف تزيد من مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة.
كارثة بيئية تهدد مستقبل القطاع
إلى جانب الخسائر البشرية، يحذر التقرير من تداعيات بيئية طويلة الأمد نتيجة تدمير الأراضي الزراعية وتلوث التربة والمياه.
فقد تعرضت البساتين والدفيئات الزراعية للتدمير، بينما تلوثت مساحات واسعة من الأراضي بالمخلفات الحربية والمعادن الثقيلة، كما تضررت طبقة المياه الجوفية الساحلية، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والصحي لسكان القطاع لسنوات مقبلة.
خطة خمسية بقيادة فلسطينية
ويقترح التقرير خطة تعافٍ تمتد لخمس سنوات، ترتكز على أن تكون المؤسسات الفلسطينية صاحبة القرار في جميع مراحل إعادة الإعمار، مع ربط جهود إعادة البناء في غزة بالضفة الغربية والقدس الشرقية ضمن رؤية وطنية موحدة.
ويرفض معدو التقرير أي نماذج تضع القطاع تحت إدارة خارجية أو تنتقص من الإدارة الفلسطينية، معتبرين أن التجارب السابقة أثبتت أن الحلول المفروضة من الخارج لا تحقق تعافيًا مستدامًا مهما بلغت قيمة التمويل.
رسالة إلى المجتمع الدولي
وقبيل انعقاد اجتماعات الأمم المتحدة ومؤتمرات المانحين المقبلة، يوجه التقرير رسالة إلى الحكومات والمؤسسات الدولية مفادها أن إعادة إعمار غزة ليست مجرد مشروع هندسي أو مالي، بل عملية سياسية وإنسانية تتطلب تمكين الفلسطينيين من قيادة مستقبلهم.
ويؤكد التقرير أن نجاح أي خطة يتطلب رفع القيود التي أعاقت جهود الإعمار السابقة، وضمان وصول المساعدات وإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي، إلى جانب توفير بيئة سياسية تسمح بتحقيق تعافٍ طويل الأمد، باعتباره شرطًا أساسيًا لبناء قطاع قادر على استعادة حياته واستقراره.






