تواجه الضفة الغربية خطرًا اقتصاديًا متصاعدًا بعد إعلان بنوك إسرائيلية عزمها إنهاء خدمات المراسلة المصرفية مع البنوك الفلسطينية، وهي خطوة قد تؤدي إلى شلل في حركة الأموال والتجارة، وتضع السلطة الفلسطينية والقطاع المصرفي أمام واحدة من أخطر الأزمات المالية منذ سنوات. ويحذر خبراء من أن انهيار هذه العلاقات لن يقتصر على القطاع المصرفي، بل سيمتد إلى حياة ملايين الفلسطينيين ويهدد استقرار الاقتصاد بأكمله.
قرار يهدد حركة الأموال والتجارة
أبلغت البنوك الإسرائيلية نظيراتها الفلسطينية بنيتها وقف خدمات المراسلة المصرفية، وهي الخدمات التي تسمح بتنفيذ التحويلات المالية وتسوية المدفوعات بين الجانبين.
وتعد هذه الآلية حجر الأساس في تمويل الواردات القادمة من إسرائيل، بما في ذلك الكهرباء والمواد الغذائية والسلع الأساسية، إضافة إلى تحويل أجور آلاف العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل، ما يجعل أي توقف لها ذا تأثير مباشر على النشاط الاقتصادي اليومي.
السلطة النقدية تحذر من تداعيات واسعة
حذر محافظ سلطة النقد الفلسطينية، يحيى شنار، من أن القضية تتجاوز كونها مسألة مصرفية تقنية، مؤكداً أن توقف هذه الخدمات سيؤثر بشكل مباشر في النظام المالي والتجاري الفلسطيني.
وأوضح أن خمس مؤسسات مصرفية فلسطينية مرتبطة ببنك هبوعليم ستفقد إمكانية الوصول إلى خدمات المراسلة اعتبارًا من الأول من أكتوبر، بينما ستتوقف الخدمات المقدمة عبر بنك ديسكاونت في الأول من سبتمبر، ما يضع القطاع المصرفي أمام مهلة زمنية قصيرة للبحث عن حلول.
مليارات الدولارات على المحك
تعالج البنوك الإسرائيلية الوسيطة سنويًا معاملات مالية فلسطينية تقدر بنحو 51 مليار شيكل، أي ما يعادل نحو 14.5 مليار يورو، وهو حجم يعكس مدى اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على هذه القنوات المصرفية.
ولسنوات، وفرت الحكومة الإسرائيلية إعفاءات قانونية لحماية بنوكها من أي ملاحقات قضائية مرتبطة بهذه العمليات، إلا أن المؤسسات المصرفية ترى أن المخاطر القانونية والمالية أصبحت أكبر من الضمانات الحكومية الحالية.
إسرائيل تربط القرار بالمخاطر القانونية
بررت وزارة المالية الإسرائيلية التوجه الجديد بارتفاع المخاطر القانونية واحتمال تعرض البنوك لدعاوى مدنية، مؤكدة أنها تجري مشاورات مع المؤسسات المصرفية لإيجاد آلية تسمح باستمرار الخدمات مع الحفاظ على ما وصفته بالمصالح الإسرائيلية.
من جانبه، قال مسؤول مصرفي إسرائيلي إن الضمانات الحكومية لم تعد كافية لحماية البنوك، مشيرًا إلى أن المؤسسات المالية تطالب الدولة بتحمل المسؤولية القانونية الكاملة إذا أرادت استمرار هذه الخدمات.
مخاوف من انهيار النظام المالي الفلسطيني
يرى خبراء اقتصاديون أن توقف العلاقات المصرفية قد يدفع الاقتصاد الفلسطيني نحو الاعتماد بصورة أكبر على التعاملات النقدية، وهو ما يزيد من مخاطر غسل الأموال، ويضعف الرقابة المالية، ويعزز توسع الاقتصاد غير الرسمي.
كما يحذر اقتصاديون من أن القطاع المصرفي الفلسطيني يرتبط بشكل وثيق بالسلطة الفلسطينية، التي تعد أكبر المقترضين من البنوك المحلية لتمويل الرواتب والإنفاق العام، الأمر الذي يجعل أي اضطراب مصرفي تهديدًا مباشرًا للاستقرار المالي والإداري.
ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه السلطة الفلسطينية أصلًا من أزمة سيولة حادة، بعد استمرار تعليق تحويل جزء من عائدات الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابة عنها، والتي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات الموازنة.
الأردن يدخل دائرة القلق
لم تقتصر المخاوف على الأراضي الفلسطينية، إذ حذر محافظ البنك المركزي الأردني عادل الشركاس من أن البنوك الأردنية العاملة في الضفة الغربية قد تتأثر هي الأخرى في حال انقطاع العلاقات المصرفية مع إسرائيل.
وأوضح أن هذه البنوك قد تجد نفسها تمتلك أرصدة كبيرة بالشيكل الإسرائيلي دون القدرة على تحويلها أو تصريفها، وهو ما قد يخلق تحديات مالية إضافية تمتد آثارها إلى القطاع المصرفي الأردني.
أزمة مصرفية تتجاوز حدود البنوك
لا ينظر الخبراء إلى الأزمة باعتبارها خلافًا مصرفيًا عابرًا، بل يرون أنها تمس البنية الاقتصادية الفلسطينية بأكملها. فتعطل قنوات التحويل المالي قد يؤدي إلى اضطراب التجارة، وتأخير الرواتب، وصعوبة استيراد السلع الأساسية، فضلاً عن تقويض ثقة المستثمرين والأسواق. وفي حال لم يتم التوصل إلى حل قبل دخول المواعيد المعلنة حيز التنفيذ، فقد تواجه الضفة الغربية واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخها الحديث.






