تلوّح موسكو برد «قوي» إذا واصلت أوروبا تسليح كييف، في لهجةٍ هجومية تبنّاها فلاديمير بوتين خلال منتدى في سوتشي. الرسالة موجّهة إلى أكثر من طرف: عواصم الاتحاد الأوروبي التي تسرّع وتيرة التسلّح، وواشنطن التي يُنسب إليها تصعيد نوعي محتمل، وداخل روسي يحتاج إلى جرعة تعبئة معنوية بعد حرب طويلة لم تُحسم. خلف هذه اللغة الصلبة يقف سؤال عملي: هل يدفع الكرملين أوروبا إلى طاولة تفاوض عبر التهويل، أم أنّ خطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الناتو صار أقرب مما كان يُظن؟
ماذا قال بوتين وما الذي قصده؟
يحمّل بوتين الأوروبيين مسؤولية «تصعيد مستمر»، ويؤكد أنّ أي تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى مثل «توماهوك» سيمثّل «مرحلة تصعيد جديدة كليًا»، لأن تشغيلها يستلزم، بحسب تصوره، مشاركة أميركية مباشرة. استخدم الرئيس الروسي مفردات الاستهزاء في ردّه على وصف موسكو بـ«النمر من ورق»، لكنه قرن السخرية بتحذير صلب: «إجراءات روسيا المضادّة لن تتأخر». هذه المزاوجة بين التهكّم والوعيد تعكس معادلة ردع يريد الكرملين تثبيتها: نملك القدرة على الإيذاء بما يكفي لإعادة حسابات الخصوم، حتى إن لم نكن نتطلع إلى توسيع الحرب خارج المسرح الأوكراني.
الميدان الأوكراني: استنزاف بلا حسم ومعادلات نارية متحوّلة
ثلاثة أعوام من الحرب خرجت فيها العمليات من منطق الاندفاعات الخاطفة إلى نمط الاستنزاف العميق. خطوط تماس طويلة، قصف متبادل على البنى التحتية والطاقة، وهجمات مسيّرات عابرة للحدود. روسيا تحقّق تقدّمًا بطيئًا ومركّبًا في نقاط، فيما تبقى قدرة كييف على المبادرة مرهونة بالإمداد الغربي وتيرةً ونوعًا. هذا الإيقاع «البطيء/الحاد» يفسّر ارتفاع منسوب الخطاب: عندما يصعب الحسم بالسلاح، ترتفع قيمة الرسائل النفسية والإستراتيجية.
حسابات موسكو: ورقة ضغط أم إنذار أخير؟
تسعى روسيا إلى إقناع الأوروبيين بأن كلفة الاستمرار ستعلو، ليس فقط في أوكرانيا بل في الأمن الأوروبي ككل. التهديد «الكبير» يعمل هنا كرافعة تفاوضية: إذا أردتم تفادي انخراطٍ أعمق وتوسّعٍ جغرافي للمخاطر، فعليكم فرملة الإمداد أو القبول بصيغة تسوية تحفظ لموسكو مكاسبها. ومع ذلك، يبقى هامش المناورة مقيدًا بواقع داخلي لا يُستهان به: تعب مجتمعي بعد تعبئة متكررة، وضغوط مالية وصناعية لحرب طويلة تحتاج لإيقاع إنتاجي ثابت.
الاقتصاد الروسي بين قدرة التحمّل وحدود الممكن
الاقتصاد الروسي تكيف مع العقوبات عبر التحويل نحو اقتصاد حرب: إحلال واردات، قنوات مدفوعات بديلة، وتوسيع شبكات التوريد عبر آسيا. لكن هذا التكيف له ثمن واضح في التضخم وبنود الإنفاق وندرة بعض التقنيات. المقارنة مع أواخر الحقبة السوفياتية تغري البعض، غير أنّ الفارق أنّ موسكو اليوم تملك سوق طاقة ومسارات آسيوية أوسع؛ رغم ذلك، يظل سؤال الاستدامة الثقيلة قائمًا. مبادرات مثل البريكس رُوّج لها كبديلٍ لنظام اقتصادي غربي، لكن حصيلتها العملية حتى الآن أقرب إلى «نادي تنسيق» منها إلى تكتل يقلب موازين النظام المالي العالمي. الثغرة الأساسية: صعوبة بناء بنية مدفوعات واحتياطي عملات صلبة بديلة بسرعة، وحدود الثقة المتبادلة بين أعضائه عند لحظات الاختبار.
تحوّلات في واشنطن وخطاب ترامب: من «اليد الممدودة» إلى واقعية أكثر خشونة
تبدو واشنطن في طور تثبيت دعم عسكري وسياسي أوضح لكييف، مع لهجة أقل مراوغة بشأن الهدف: منع تغيير الحدود بالقوة. في هذا السياق، يُقرأ التحول في خطاب دونالد ترامب بوصفه انتقالًا من التعويل على «فرض السلام عبر تنازلات أوكرانية» إلى الاعتراف بأن موسكو لا تُبدي استعدادًا لتنازلات جوهرية، وأن سياسة «اليد الممدودة» لم تُنتج نتائج ملموسة. السجالات العلنية مع زيلينسكي عكست هذا التحوّل، لكنها لم تغيّر حقيقة أن مؤسسة الأمن القومي الأميركي تميل إلى دعم كييف بما يكفي لصدّ روسيا، مع محاولة ضبط خطوط عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
أوروبا بين إعادة التسلّح وخشية الانزلاق
العواصم الأوروبية ترفع إنفاقها الدفاعي بوتيرة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، وتُكيّف صناعاتها لتزويد كييف على المدى الطويل. في المقابل، تسعى إلى إبقاء «صمامات أمان» مفتوحة: اتصالات غير مباشرة مع موسكو، وتحديد «خطوط حمراء» متبادلة لتجنّب الحوادث. تهديد بوتين يهدف إلى كسر هذا التوازن عبر توسيع نطاق الردع النفسي: إن استمر تسليح كييف بنظم نوعية، فقد تنتقل الحرب إلى عتبة أخطر، سواء بسيناريوهات سيبرانية، أو بحرية، أو عبر ضربات عميقة تُحمّلها موسكو للقرار الأوروبي.
قدرة روسيا على تهديد أوروبا
بمنظار القدرة الخشنة، تمتلك روسيا مخزونًا كبيرًا من الصواريخ البعيدة ونظم الدفاع الجوي، وقوة نووية رادعة تجعل أي مواجهة مباشرة مع الناتو مقامرة كونية. لكن القدرة لا تساوي الإرادة. الجيش الروسي دفع كلفة بشرية ومادية عالية خلال ثلاث سنوات، ويُدار الآن على إيقاع تعبئة وانتقاء للأهداف. تهديد أوروبا ممكن بأشكال «هجينة» وموضعية: هجمات سيبرانية على بنى حيوية، عمليات تأثير إعلامي، ضغط بحري في البحر الأسود وبحر البلطيق، واستهداف عميق داخل أوكرانيا بما يلامس البنية الأوروبية للطاقة واللوجستيات بشكل غير مباشر. أما مواجهة مباشرة مع الناتو فتبقى احتمالا مرتفع الكلفة سياسيًا وعسكريًا، ولذا تُستخدم التهديدات أساسًا كأداة ردع وتعظيم مكاسب تفاوضية.
سلاح الطاقة غير ناجع مع أوروبا
لم تُفلِح «حرب الطاقة» في ليّ ذراع أوروبا كما راهن الكرملين. فمنذ 2022 خفّض الاتحاد الأوروبي اعتمادَه على الغاز الروسي جذريًا: من نحو 45% من إجمالي وارداته في 2021 إلى 19% في 2024، مع توقعات بالهبوط إلى نحو 13% في 2025 بفعل مسار REPowerEU وإعادة توجيه الإمدادات. بالتوازي، أصبحت النرويج المورّدَ الأول للغاز إلى الاتحاد في 2024 (أكثر من ثلث الواردات)، فيما تصدّرت الولايات المتحدة مورّدي LNG للاتحاد في الربع الثاني 2025 (نحو 57.7%). كما ملأت أوروبا مخزوناتها باكرًا إلى قرابة 90% بحلول 19 أغسطس/آب 2024—للعام الثاني على التوالي—وإن ظلّت الأسعار متقلّبة فقد هبطت كثيرًا عن ذروة 2022 (سعر TTF ~31 يورو/م.و.س في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2025). هذه المؤشرات معًا تُظهر أن أوراق الضغط الطاقي الروسي تآكلت لصالح منظومة تنويع أوروبية سريعة، وإن بقيت ثغرات محدودة قيد المعالجة (مثل بعض شحنات LNG الروسية واستثناءات أنابيب محدودة).
أوراق كييف ومحدّدات الدعم الغربي
قوة أوكرانيا في استمرار تدفق الدعم النوعي وتطوير قدراتها المحلية للمسيّرات والذخائر بعيدة المدى، وفي قدرتها على إيلام العمق الروسي بما يكفي لإبقاء كلفة الحرب مرتفعة. نقطة ضعفها في طول النفس الاقتصادي والديمغرافي، وفي احتمال تذبذب الإرادة السياسية لدى بعض العواصم الغربية مع تغيّر دورات الانتخابات وأسعار الطاقة. هذه الثنائية تجعل الحرب «اختبار إرادة» أكثر منها سباق منصات.
أين تقف «خطة ترمب» ضمن هذا المشهد؟
أي خطة «سريعة» لوقف الحرب ستصطدم بواقع معقد: مطالب متناقضة حول الحدود والأمن، وشروط متبادلة حول الضمانات، وافتقار إلى وسيط يملك أدوات إكراه كافية على الطرفين. قد تُستخدم الخطط كإطار تفاوضي لالتقاط الأنفاس وخفض التصعيد، لكنها لن تُغلق الملف ما لم تُعالج القضايا الجوهرية التي فجّرت الحرب أصلًا. لذلك تبدو موسكو في وضع من يلوّح بأقصى العقوبات النفسية والسياسية لدفع الأوروبيين إلى قبول «تسوية ناقصة»، فيما تراهن كييف على صلابة الدعم الغربي لتفادي تقديم تنازلات مبكرة.
سيناريوهات محتملة
سيناريو التصعيد المحدود مرجّح عبر أدوات هجينة أو ضربات موضعية ذات رسالة، مع تجنب صريح للاحتكاك المباشر مع الناتو. سيناريو خفض التصعيد يبقى ممكنًا عبر «هدنة مدروسة» تمنح الأطراف فسحة إعادة تموضع سياسي واقتصادي، لكنه يتطلب جسورًا موثوقة للضمانات لا تبدو ناضجة بعد. أخطر السيناريوهات يظل سوء التقدير: حادث حدودي، أو ضربة تُفسَّر على أنها استهداف مباشر، ما يجر الجميع إلى درجات سلّمٍ يصعب النزول منها.
خلاصة تقدير الموقف
تهديدات بوتين «بردّ كبير» تُقرأ اليوم باعتبارها أداة ردعٍ وتسويقٍ سياسي داخلي وخارجي في آن، لكنها ليست مجرد فراغ لفظي. لدى روسيا القدرة على إيذاء أوروبا بأشكال مؤلمة دون عبور عتبة الحرب المباشرة، ولدى الناتو قدرات ردع تجعل تلك العتبة عالية الكلفة. في المسافة بين الطرفين تتحرّك الحرب كاختبار أعصاب طويل: من يملك طول النفس، ومن يتعب أولًا. حتى إشعار آخر، الأقرب أن يستمر «الضغط الأعظم» بلا انفجار شامل، مع نافذة تفاوض تُفتح وتُغلق تبعًا لميزان النار والاقتصاد والسياسة.






