أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده ترفض بشكل قاطع الطلب الأميركي القاضي بتسليم كل مخزونها من اليورانيوم المخصّب مقابل إعفاء مؤقت من العقوبات لمدة ثلاثة أشهر فقط.
قال بزشكيان للصحافيين في نيويورك قبيل مغادرته عائداً إلى طهران: «الولايات المتحدة تريدنا أن نسلمها كل اليورانيوم المخصب لدينا في مقابل إعفاء من العقوبات لمدة ثلاثة أشهر… ذلك غير مقبول بأي شكل من الأشكال».
ويأتي هذا التصريح في ختام مشاركة الرئيس الإيراني في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في لحظة تتسم بتوتر متصاعد بين طهران والدول الغربية على خلفية الملف النووي.
تصعيد دبلوماسي: طهران تستدعي سفراءها من أوروبا
في خطوة تعكس حدة الأزمة، أعلنت إيران استدعاء سفرائها لدى كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا للتشاور، بعد قرار الدول الأوروبية الثلاث تفعيل آلية إعادة فرض العقوبات الأممية التي كانت أُلغيت بموجب اتفاق 2015 النووي.
وقال التلفزيون الرسمي الإيراني: «بعد التحرّك غير المسؤول للبلدان الأوروبية الثلاثة لإعادة تفعيل قرارات ملغاة لمجلس الأمن الدولي، تم استدعاء سفراء إيران لدى كل من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة إلى طهران للتشاور».
وتمثل هذه الخطوة الدبلوماسية رسالة اعتراض قوية من طهران على ما تعتبره «نقضاً للاتفاقيات» و«تصعيداً غير مبرر» من جانب الأوروبيين.
مجلس الأمن يرفض التمديد.. و«آلية الزناد» تدخل حيّز التنفيذ
صوّت مجلس الأمن الدولي الجمعة ضد مشروع قرار صيني – روسي لتمديد الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) لستة أشهر إضافية، ما يعني عملياً بدء تفعيل «آلية الزناد» لإعادة فرض العقوبات على طهران.
وحصل المشروع على تأييد 4 أعضاء فقط، فيما عارضه 9 وامتنع اثنان، لتعود عقوبات الأمم المتحدة المتعلقة بالانتشار النووي الإيراني إلى السريان اعتباراً من منتصف ليل السبت/الأحد بتوقيت غرينيتش.
وقالت المندوبة البريطانية لدى الأمم المتحدة باربرا وودوورد: «عقوبات الأمم المتحدة التي تستهدف الانتشار النووي الإيراني ستُعاد فرضها في نهاية هذا الأسبوع».
أما السفير الفرنسي جيروم بونافون فأوضح أن «إيران لم تقدّم أي مبادرات ملموسة»، معتبراً أن موقف طهران أغلق الباب أمام الحلول التفاوضية.
إيران ترد: العقوبات «باطلة قانوناً»
ردّت طهران بغضب على قرار مجلس الأمن، إذ وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إعادة فرض العقوبات بأنها «إجراء باطل قانوناً ومتهور سياسياً».
وقال عراقجي خلال كلمته أمام المجلس: «إيران لن ترضخ مطلقاً للضغوط. نحن لا نرد سوى على الاحترام. الخيار واضح: التصعيد أو الدبلوماسية».
كما أكد أن «آلية الزناد» تعاني من «عيوب إجرائية» تجعلها غير قابلة للتنفيذ من الناحية القانونية، مشدداً على أن بلاده ستواصل الدفاع عن حقوقها النووية.
من جانبها، هاجمت روسيا بشدة قرار إعادة فرض العقوبات، واعتبر نائب سفيرها في الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي أن ما جرى هو «خداع وأكاذيب ومسرحية عبثية»، مضيفاً: «هذه ليست دبلوماسية».
وأشار بوليانسكي إلى أن موسكو لا ترى أي جدوى في إعادة العقوبات، ملمحاً إلى أنها لن تلتزم بتطبيقها، في خطوة قد تزيد من تعقيد المشهد الدولي حول الملف الإيران
ملف نووي على صفيح ساخن
مع تصاعد الخلافات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والدول الأوروبية من جهة أخرى، يبدو أن الملف النووي الإيراني مقبل على مرحلة جديدة من المواجهة السياسية والدبلوماسية، قد تفتح الباب إما لتصعيد غير مسبوق أو لمحاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى من اتفاق 2015.
ويترقب المراقبون الأيام المقبلة لمعرفة ما إذا كانت طهران ستتجه نحو خطوات تصعيدية إضافية، أم ستبقي الباب موارباً أمام مفاوضات قد تتيح خفض التوتر المتصاعد في المنطقة.
وتعليقا على ذلك، يرى الدكتور حامد كاظمي، الخبير في الشؤون الاستراتيجية بجامعة طهران، أن العرض الأميركي بتجميد العقوبات لمدة 3 أشهر مقابل تسليم كامل مخزون اليورانيوم المخصّب «يتجاهل عمق الأزمة ويُعد صفقة غير متكافئة».
ويقول كاظمي: «من وجهة نظر إيران، هذه ليست صفقة بل فخ سياسي مؤقت، لأن رفع العقوبات ثلاثة أشهر لا يوفر ضمانات حقيقية، ولا يسمح للاقتصاد الإيراني بالتقاط أنفاسه أو جذب استثمارات طويلة المدى».
ويؤكد أن طهران «تدرك أن واشنطن تريد اختبار نياتها بسرعة، لكنها في المقابل تعتبر أن التنازل عن اليورانيوم مقابل مكاسب مؤقتة يضر بأوراق الضغط التي تملكها».
استدعاء السفراء رسالة سياسية أكثر من كونها قطيعة
ويرى السفير الفرنسي السابق في طهران، جان بيير لوران، أن قرار إيران استدعاء سفرائها من العواصم الأوروبية الكبرى للتشاور «هو تصعيد محسوب وليس قطعاً للعلاقات».
ويقول لوران: «طهران تريد إيصال رسالة مزدوجة: الأولى أنها لن تقبل الضغوط، والثانية أنها لا تزال مستعدة لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة إذا تغيّر الموقف الأوروبي».
ويضيف أن هذه الخطوة «تذكّر بالتحركات التي اتبعتها إيران خلال أزمات سابقة، عندما تجمع بين التهديد الدبلوماسي والاحتفاظ بهوامش مناورة تفاوضية».
ويؤكد الدكتور سعيد مرادي، المتخصص في القانون الدولي، أن «آلية الزناد» لإعادة فرض العقوبات على إيران كانت منذ توقيع اتفاق 2015 موضع خلاف قانوني واسع.
ويقول مرادي: «الولايات المتحدة لم تعد طرفاً في الاتفاق منذ انسحابها عام 2018، وهذا يطرح تساؤلات حول أهليتها للمشاركة في تفعيل هذه الآلية».
ويضيف أن «الخطوة الأوروبية تستند إلى تفسير سياسي أكثر منه قانوني، ما يجعل الموقف عرضة للطعن الدبلوماسي وربما القانوني في المحافل الدولية».






