اعتبر الكاتب إبراهيم أبو عواد أنَّ الاحتجاجات في إيران لم تَعُدْ شأنًا داخليًّا يمكن عزله عن محيطه الجغرافي والسياسي، بل تحوّلت، بحكم موقع إيران وثقلها الديمغرافي والعسكري والأيديولوجي، إلى عامل إقليمي بالغ التأثير، بحيث إنّ أي اهتزاز في البنية الداخلية للدولة الإيرانية ينعكس، بدرجات متفاوتة، على توازنات الشرق الأوسط، في إقليم تتشابك فيه المصالح، وتتقاطع الصراعات، وتُبنى السياسات على فرضيات الاستقرار أو الاضطراب في طهران.
ويرى الكاتب أنّ إيران ليست دولة عادية في الإقليم، بل تمثّل لاعبًا محوريًا في ملفات تمتد من الخليج العربي إلى شرق المتوسط، ومن آسيا الوسطى إلى البحر الأحمر، موضحًا أن نفوذها لا يقوم فقط على القوة العسكرية أو الحجم السكاني، بل يستند كذلك إلى شبكة معقّدة من التحالفات والأذرع السياسية والعسكرية العابرة للحدود، وهو ما يجعل أي احتجاجات واسعة في الداخل الإيراني عاملًا مباشرًا في وضع هذا الدور الإقليمي موضع مساءلة، ويفتح الباب أمام إعادة حسابات شاملة على مستوى الإقليم.
ويضيف أبو عواد أنَّ أحد أبرز الانعكاسات الإقليمية لاحتجاجات إيران يتمثّل في وضع حلفاء طهران، سواء كانوا دولًا أو حركات سياسية ومسلّحة، إذ تعتمد هذه القوى، بدرجات متفاوتة، على الدعم الإيراني المالي أو السياسي أو العسكري، مشيرًا إلى أنّ تصاعد الاحتجاجات سيدفع القيادة الإيرانية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بما يؤدي إلى تقليص الموارد المخصّصة للسياسة الخارجية لصالح تثبيت الداخل.
وتابع الكاتب أنَّ هذا الواقع يخلق حالة قلق متزايدة لدى حلفاء إيران، ويدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل استراتيجية أو إلى تعزيز استقلاليتهم السياسية والعسكرية، بينما قد تلجأ أطراف أخرى إلى تشديد قبضتها الداخلية خشية انتقال عدوى الاحتجاج إليها، خاصة أن الخطاب الاحتجاجي في إيران يحمل في طيّاته رسائل شديدة الحساسية، وفي مقدمتها المطالبة بالعدالة الاجتماعية، ومساءلة السلطة، ورفض الفساد.
ويرى أبو عواد أنَّ احتجاجات إيران لا تُقرأ فقط من زاوية الصراع التقليدي بين السلطة والمعارضة، بل من زاوية رمزية أعمق، لأنها توجّه رسالة واضحة مفادها أن الدولة القوية أمنيًا ليست بمنأى عن الغضب الشعبي، وأن الشرعية لا يمكن أن تستند إلى القمع أو إلى الخطاب الأيديولوجي وحده إلى ما لا نهاية.
واعتبر الكاتب أنَّ السيناريوهات المستقبلية لاحتجاجات إيران متعددة، ويحمل كلٌّ منها انعكاسات إقليمية مختلفة؛ فاستمرار الاحتجاجات من دون تغيير جذري قد يؤدي إلى إنهاك داخلي يحدّ من قدرة إيران على المبادرة الخارجية، في حين أن نجاح السلطة في احتوائها بالقوة أو عبر إصلاحات جزئية قد يعيد إنتاج الاستقرار، ولكن بثمن سياسي واجتماعي أعلى، ما يجعل هذا الاستقرار هشًّا وقابلًا للانفجار من جديد.
وأضاف أبو عواد في ختام طرحه أنَّ أي تحوّل سياسي عميق داخل إيران، مهما كان شكله أو مساره، سيعيد رسم خريطة التحالفات والصراعات في الشرق الأوسط، وربما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتبدّل فيها أولويات الصراع من منطق الهيمنة الإقليمية إلى منطق التنمية والاستقرار الداخلي.






