دخلت الاحتجاجات المتصاعدة في إيران مرحلة دقيقة، بعدما تحولت من تحركات مطلبية متفرقة إلى اختبار حقيقي لتوازن السلطة داخل مؤسسات الحكم، وذلك في ظل تباين غير مسبوق في طريقة التعاطي الرسمي مع الشارع الغاضب، الذي يوسع رقعة حراكه يوماً بعد آخر.
توجيهات بزشكيان
وفي خضم ذلك، أصدر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان توجيهات مباشرة تمنع اللجوء إلى المعالجة الأمنية في مواجهة المحتجين، مبرراً ذلك بـ«الحفاظ على الأمن القومي» وتفادي تصعيد قد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة.
ويعتبر هذا الموقف رسالة سياسية تهدف إلى احتواء الغضب الشعبي عبر تقليل الاحتكاك، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية خانقة.
وفي المقابل، صعد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي لهجته، متوعداً بعدم «التساهل» مع ما وصفه بـ«مثيري الشغب» و«الجهات التي تساعد العدو»، في خطاب يعكس تشدداً واضحاً داخل أروقة النظام، ويشير إلى انقسام في الرؤية بين المقاربة السياسية والمقاربة الأمنية للأزمة.
إضراب تجار البازار الكبير
وميدانياً، يواصل تجار «البازار الكبير» في طهران إضرابهم لليوم الحادي عشر على التوالي، مع إغلاق واسع لمحال المجوهرات والأقمشة والسجاد، في مشهد يحمل دلالات اقتصادية وسياسية بالغة، نظراً للدور التاريخي للبازار في تشكيل ملامح الحراك الاجتماعي داخل إيران.
كما شهدت العاصمة طهران احتكاكات متفرقة في عدد من الأحياء، والتي ترافقت مع هتافات تندد بارتفاع الأسعار والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، كما أظهرت مقاطع مصورة متداولة استخدام قوات أمنية للغاز المسيل للدموع في مناطق بشرق العاصمة، ما يعكس هشاشة الوضع الميداني رغم التوجيهات الرئاسية.
ولم تعد الاحتجاجات مقتصرة على طهران، إذ تمدد الحراك إلى مدن عدة في 28 محافظة من أصل 31، في مؤشر على اتساع رقعة السخط الشعبي، وتحول الأزمة إلى تحدي وطني شامل، يتجاوز الأطر المحلية أو القطاعية.
تدهور الأوضاع المعيشية
جدير بالذكر أن إيران تشهد منذ أسابيع موجة احتجاجات متصاعدة على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات التضخم والغلاء، في ظل ضغوط اقتصادية متراكمة تفاقمت بفعل العقوبات الدولية وتراجع قيمة العملة المحلية.
وأدت هذه الأوضاع إلى اتساع رقعة السخط الشعبي، خصوصاً بين التجار والطبقات المتوسطة، الذين يرون أن السياسات الاقتصادية لم تعد قادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية.
ويحمل الحراك الحالي دلالات خاصة مع انخراط «البازار الكبير» في طهران بالإضرابات، وهو تقليدياً أحد أهم مراكز الثقل الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، ولطالما لعب دوراً محورياً في محطات مفصلية من تاريخ إيران السياسي.
وأعطت مشاركة البازار الاحتجاجات بعداً أعمق، ورسخت مخاوف داخل دوائر الحكم من تحول المطالب المعيشية إلى تحدٍ سياسي أوسع.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه المشهد السياسي الإيراني تبايناً في مواقف مؤسسات الدولة تجاه أسلوب التعامل مع الاحتجاجات، بين دعوات لاحتواء الغضب الشعبي وتجنب التصعيد الأمني، ومواقف أخرى تشدد على فرض هيبة الدولة وعدم السماح بتمدد الاضطرابات، ويعكس هذا التباين حساسية المرحلة، ويضع صناع القرار أمام خيارات صعبة في ظل بيئة داخلية وإقليمية مضطربة.






