ترى صحيفة القدس العربي أن المشاهد التي شهدتها مناطق في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، غرب ووسط سوريا، حيث خرجت مظاهرات شارك فيها المئات من أبناء الطائفة العلوية رافعين شعارات تطالب بـ«الفيدرالية» و«حق تقرير المصير»، تمثل تطوراً سياسياً واجتماعياً بالغ الدلالة في المرحلة الانتقالية الراهنة. وتقول الصحيفة إن هذه التحركات جاءت استجابة لدعوة أطلقها الشيخ غزال غزال، الذي يترأس ذاتياً ما يسمى «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر»، داعياً إلى ما وصفه بـ«طوفان بشري سلمي يملأ الساحات».
غير أن القدس العربي تعتبر أن الطابع السلمي للمظاهرات سرعان ما تداخل مع حضور مجموعات تصفها الصحيفة بأنها من «فلول النظام السابق» وأنصاره المتضررين من سقوط بنيته الأمنية والاقتصادية. وتضيف أن هذه المجموعات لم تكتفِ بالشعارات، بل حملت السلاح الأبيض والناري، وهاجمت عناصر الأمن العام، وأقدمت على تكسير ممتلكات عامة وخاصة، الأمر الذي نقل الاحتجاج من فضاء التعبير السياسي إلى مسار توتّر أمني مفتوح على احتمالات أخطر.
وتشير الصحيفة إلى أن خروج حشود أخرى مؤيدة للسلطة الانتقالية جاء بدوره كردٍّ مقابل على شعارات تُعد، في نظرها، مهدِّدة للوحدة الوطنية ومشجّعة على النزعات الانفصالية. وترى القدس العربي أن هذا المشهد الثنائي بين شارع ذي طابع علوي معارض وشارع ذي طابع سنّي مؤيد، ينطوي على مخاطر عميقة تطال السلم الأهلي وتعيد إلى الأذهان تجارب دامية عرفتها سوريا في السنوات السابقة.
وتقول الصحيفة إن غزال غزال ومجلسه لا يمثلان غالبية أبناء الطائفة العلوية، لا تنظيمياً ولا سياسياً، لأن أحداً لم ينتخبه أو يفوضه التحدث باسمهم، كما أن تاريخه السياسي يرتبط بدعم النظام السابق والتحريض على العنف ضد الانتفاضة الشعبية. وتضيف أن هيئات ووجهاء من داخل بيئة الطائفة نفسها عبّروا عن رفضهم لهذه الدعوات، وأكدوا تمسّكهم بحرية التعبير السلمي دون الانجرار إلى تأجيج الصدامات الطائفية أو توظيف المظلومية لخدمة أجندات خارجية.
لكن القدس العربي تشدد في المقابل على أن التعامل الأمني البحت مع احتجاجات ذات حساسية اجتماعية وطائفية، أو دفع الشارع نحو مواجهة مضادة على أسس هوياتية، يحمل عواقب خطيرة على تماسك الدولة والمجتمع. وتعتبر أن سقوط قتلى وجرحى خلال الأحداث الأخيرة يشكّل إنذاراً مبكراً بضرورة تحرك السلطات الانتقالية بخيارات سياسية حكيمة تمنع الانزلاق إلى مسارات دامية.
وترى الصحيفة أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن ما تصفه بـ«سيرورة تآمر خفية» يقودها ضباط نافذون ورجالات فساد وشبكات كبتاغون مرتبطة ببقايا النظام القديم، ممن ما تزال لديهم القدرة على التمويل والتحريض واستثمار التوترات الطائفية لإفشال عملية الانتقال نحو الاستقرار وإعادة البناء. وتضيف القدس العربي أن هؤلاء يتحركون، في الغالب، بوصفهم أدوات في يد قوى وميليشيات إقليمية فقدت امتيازاتها داخل سوريا، ولا تملك اليوم سوى إشعال الحرائق في الفراغات الهشة.
وفي ختام قراءتها، تعتبر الصحيفة أن مشاريع مثل تلك التي يطرحها غزال غزال تبدو قصيرة النفس ومحدودة الأثر، إلا أن المخاطر التي تكشفها تبقى حقيقية وماثلة. وتقول القدس العربي إن مسؤولية السلطة الانتقالية، ومعها مختلف القوى الوطنية السورية، تتمثل في إحباط محاولات جر البلاد إلى مربعات الاستقطاب الطائفي، وتعزيز مقاربة جامعة تتجاوز الانتماءات الفئوية الضيقة، بما يحافظ على وحدة السوريين ومسارهم نحو دولة مستقرة وعادلة.






