تلقى مسار عودة الأكراد السوريين النازحين إلى مناطقهم ضربة جديدة، بعدما أدت هجمات مسلحة استهدفت أولى قوافل العائدين إلى تعليق عمليات العودة مؤقتًا، في تطور يسلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في شمال شرق سوريا.
وكانت مئات العائلات قد بدأت، الاثنين، رحلة العودة إلى رأس العين، المدينة ذات التركيبة السكانية المتنوعة، بعد سنوات من النزوح، في إطار تفاهم سياسي بين الإدارة الكردية والحكومة المركزية في دمشق.
هجوم على أول قافلة للعائدين
وقال جوان إيسو، عضو اللجنة التي تمثل النازحين من رأس العين، إن المجموعة الأولى، التي تضم نحو 2500 نازح، بدأت بالفعل طريق العودة، قبل أن تتعرض لهجوم وصفه بأنه متعمد من جانب جماعات مسلحة.
وأدى الهجوم إلى إصابة عدد من الأشخاص، فيما أعلنت السلطات المحلية توقيف عدد من المشتبه في تورطهم بالاعتداء.
ولم يكن الهجوم مجرد حادث أمني عابر بالنسبة إلى النازحين، إذ أعاد إلى الواجهة المخاوف التي رافقت قضية العودة منذ سنوات، والمتعلقة بقدرة السلطات على توفير ضمانات أمنية حقيقية للعائدين.
تعليق العودة “لأسباب احترازية”
وقال محمود خليل علي، نائب رئيس قوات الأمن في محافظة الحسكة، إن عمليات العودة جرى تعليقها مؤقتًا كإجراء احترازي، بهدف ضمان سلامة السكان.
وأضاف أن الرحلات ستُستأنف بمجرد استقرار الوضع الأمني وتوفير الحماية الكاملة للعائدين.
ويعكس القرار حساسية عملية إعادة عشرات الآلاف من النازحين إلى مناطق لا تزال تشهد توترات أمنية وتداخلًا في السيطرة والنفوذ بين أطراف محلية وإقليمية.
اتفاق سياسي يفتح الباب أمام العودة
تأتي هذه التطورات في أعقاب اتفاق أُبرم في يناير بين ممثلين عن الأكراد السوريين والحكومة المركزية، وينص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وكانت عودة النازحين الذين غادروا مناطقهم خلال سنوات الحرب أحد الملفات المرتبطة بهذا المسار.
وبموجب التفاهم، يُفترض أن تفتح الترتيبات السياسية والأمنية الطريق أمام عودة السكان إلى مناطقهم، لكن أحداث رأس العين أظهرت أن الاتفاق السياسي وحده لا يكفي لضمان عودة آمنة ومستدامة.
نحو 100 ألف شخص ينتظرون العودة
ويُقدّر عدد الأشخاص الراغبين في العودة إلى رأس العين ومحيطها بنحو 100 ألف شخص.
وقال إيسو إن مجموعة ثانية من النازحين كان من المقرر أن تلتحق بالمجموعة الأولى خلال الأيام المقبلة، لكن تعليق عمليات العودة يجعل موعد استئنافها مرتبطًا بتطورات الوضع الأمني.
بالنسبة إلى هؤلاء، لا تتعلق العودة فقط باستعادة المنازل والأراضي، وإنما أيضًا باستعادة حياة توقفت منذ سنوات بسبب الحرب والنزوح.
نزوح بدأ عام 2019
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2019، عندما اضطرت عشرات الآلاف من العائلات الكردية إلى مغادرة مناطقها في شمال شرق سوريا، إثر هجوم شنته تركيا وقوات سورية حليفة لها.
وبعد العملية العسكرية، سيطرت القوات التركية وحلفاؤها على شريط من الأراضي بطول يقارب 120 كيلومترًا على الحدود السورية التركية، ما أدى إلى موجة نزوح واسعة وأعاد رسم الخريطة السكانية في المنطقة.
ومنذ ذلك الحين، بقيت قضية النازحين وحقوق السكان الأصليين ومستقبل المناطق الحدودية واحدة من أكثر الملفات حساسية في شمال شرق سوريا.
أزمة نزوح لم تنتهِ
ولا تقتصر أزمة رأس العين على الأكراد وحدهم، إذ لا تزال سوريا تواجه واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 5.5 ملايين شخص ما زالوا نازحين داخل سوريا، في وقت يحاول فيه كثير منهم العودة إلى مناطقهم الأصلية وسط ظروف أمنية واقتصادية وسياسية بالغة الصعوبة.
وتكشف أحداث الأيام الأخيرة في رأس العين عن مفارقة واضحة: فبينما تتحرك الأطراف السياسية نحو تسويات يفترض أن تفتح الباب أمام عودة النازحين، لا تزال الوقائع على الأرض قادرة على إيقاف تلك العودة خلال ساعات.
وفي انتظار استقرار الوضع الأمني، يبقى عشرات الآلاف من النازحين أمام سؤال مؤجل: متى تصبح العودة إلى مدنهم وقراهم خيارًا آمنًا، لا مجرد وعد سياسي؟






