الاجتماع الذي عُقد في العاصمة الأردنية عمّان بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والملك عبد الله الثاني بن الحسين بحضور ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله، يعكس لحظة سياسية حساسة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى عمق الملفات الاستراتيجية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، ومستقبل الإقليم في ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر.
وقف فوري ودائم لإطلاق النار
وأحد أبرز محاور اللقاء كان التطرق إلى العدوان الإسرائيلي على قطر، وهو تطور غير مسبوق في سياق المواجهة الإقليمية، حيث أدان الجانبان بشدة هذا الاعتداء واعتبراه تجاوزًا خطيرًا للأعراف الدولية وتهديدًا مباشرًا للأمن العربي المشترك. هذا الموقف المشترك لا يكتفي بالبيان التضامني، بل يؤشر إلى اتجاه نحو الدفع بتحرك عربي–إسلامي أوسع يهدف إلى ردع إسرائيل ووضع حد لسياستها القائمة على تصدير الأزمة وتوسيع رقعة التصعيد خارج فلسطين.
كما شكّل الوضع الفلسطيني الداخلي، وبخاصة في غزة والضفة الغربية، محورًا مركزيًا للنقاش، حيث شدد الرئيس عباس على أن الأولوية القصوى تتمثل في وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية دون قيود أو شروط. هذه النقطة تتقاطع مع الجهود الأردنية التي لا تقتصر على الدعم السياسي والدبلوماسي، بل تشمل أيضًا أدوارًا إنسانية فاعلة في إدخال الإغاثة ومنع التهجير القسري. الملك عبد الله أعاد التأكيد على هذا الدور، مع التشديد على رفض الأردن القاطع لمشاريع الضم أو فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وهو موقف يتكامل مع الرؤية الفلسطينية الرامية إلى مواجهة المشروع الاستيطاني ومنع تكريسه كأمر واقع.
مواجهة محاولات التهويد
البعد الدولي كان حاضرًا بوضوح، مع اقتراب موعد المؤتمر الدولي حول القضية الفلسطينية وحل الدولتين في نيويورك برعاية سعودية–فرنسية. اللقاء الأردني–الفلسطيني سعى إلى بلورة موقف موحّد يضمن أن يخرج المؤتمر بخطوات عملية واضحة لا تقتصر على التوصيات التقليدية، بل تترجم إلى التزامات دولية جديدة تعزز المسار السياسي. وفي هذا السياق، برزت الإشارة إلى نية عدد من الدول الأوروبية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ما يمنح زخماً إضافياً للجهود الدبلوماسية الفلسطينية والعربية.
كما أكد العاهل الأردني على استمرار المملكة في أداء دورها التاريخي في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس بموجب الوصاية الهاشمية، وهو عنصر جوهري في تثبيت الهوية العربية–الإسلامية للمدينة في مواجهة محاولات التهويد. وفي موازاة ذلك، شدد على أهمية دعم السلطة الفلسطينية في مساعي الإصلاح والتمكين المؤسسي بما يخدم صمود الشعب الفلسطيني ويعزز قدرته على إدارة شؤونه بعيدًا عن الضغوط الإسرائيلية.
وقف العدوان
يمكن القول إن اللقاء حمل ثلاث رسائل أساسية: أولاً، أن القضية الفلسطينية لا تزال في قلب الأجندة الأردنية–الفلسطينية المشتركة، وأن التنسيق بين الطرفين يشكّل ركيزة لأي تحرك عربي ودولي قادم. ثانياً، أن العدوان الإسرائيلي لم يعد محصورًا داخل فلسطين، بل أصبح تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي كما ظهر في استهداف قطر، ما يستوجب استجابة جماعية تتجاوز حدود التضامن التقليدي. ثالثاً، أن الفرصة الدبلوماسية المتمثلة في المؤتمر الدولي المقبل ينبغي استثمارها لتحريك ملف حل الدولتين والحصول على اعترافات أوسع بالدولة الفلسطينية.
اجتماع عمّان لم يكن لقاءً عابرًا، بل محطة سياسية مفصلية في مسار التنسيق الأردني–الفلسطيني، تعكس إدراكًا مشتركًا لخطورة المرحلة وضرورة تحويل الغضب من السياسات الإسرائيلية إلى خطوات عملية تضغط باتجاه وقف العدوان وفتح أفق سياسي جديد يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية ويحافظ على استقرار المنطقة.






