في التوقيت الراهن من عام 2026، ومع دخول المنطقة مرحلة مفصلية تتسم بتبدل المواقع وتداخل الحسابات الجيوسياسية بشكل غير مسبوق، لم تعد القراءة التقليدية للسياسة الخارجية الإيرانية كافية لفهم طبيعة الأدوار المتعددة التي تلعبها طهران. إن التطورات المتلاحقة المرتبطة بالحرب في قطاع غزة والضفة الغربية، جنباً إلى جنب مع تعثر جولات التفاوض الماراثونية في القاهرة والدوحة، تكشف لنا اليوم عن نمط تحرك إيراني يقوم على إدارة التوازنات الدقيقة ببرود استراتيجي، حيث تبرز طهران كفاعل يفضل استثمار الحلفاء والوسطاء لتحقيق أهدافه الاستراتيجية بعيدًا عن كلفة المواجهة المباشرة.
لقد تابعت طهران طوال العامين والنصف الماضيين الدور القطري في الوساطة بكثير من البراغماتية، حيث تعاملت معه ومع حركة حماس بوصفهما أدوات دبلوماسية وسياسية مؤقتة الهدف منها إضفاء نوع من “الشرعية السياسية” على تحركاتها الإقليمية في لحظة حرجة. والحقيقة التي يجب أن تُقال بموضوعية هي أن الغاية الإيرانية لم تكن يوماً الوصول إلى استقرار نهائي ينهي معاناة الداخل الفلسطيني أو يغلق ملف الحرب، بل كان الهدف هو الحفاظ على “أوراق الضغط” في جيب المفاوض الإيراني، والاستفادة من أي فرصة تفاوضية مع القوى الكبرى، مع إبقاء الجرح الفلسطيني نازفاً بشكل يضمن بقاء طهران لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية في الشرق الأوسط.
المفارقة الصارخة تكمن في طبيعة توزيع الاستهداف الميداني والعملياتي الإيراني. تشير أنماط العمليات العسكرية إلى تركيز واضح باتجاه العمق العربي والخليجي، يتجاوز حجم الاحتكاك المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي بشكل ملحوظ. هذا التوجه ليس مجرد تفصيل فني، بل يعكس نهجًا أمنيًا يرى في استقرار دول الخليج —بما فيها الدول التي تلعب دور الوسيط مثل قطر— أداة ضغط استراتيجية لتعزيز موقع طهران، مع تجنب الانخراط في صدام مباشر مع إسرائيل قد يكلف النظام الإيراني أثمانًا وجودية. وتعكس هذه العمليات استراتيجية قائمة على استخدام الضغط الإقليمي لتحقيق مكاسب ضمن الحسابات الدولية، أكثر من كونها خطوة لحل الأزمات القائمة.
وفي هذا السياق، يبرز النقد الموضوعي لمسار حركة حماس كضرورة وطنية لا تهدف للهجوم الشخصي، بل لتقويم الانحراف الاستراتيجي. لقد ارتكبت قيادة الحركة خطأً فادحاً برهانها شبه المطلق على محور يرى فيها “أداة وظيفية” أكثر منها شريكاً في تقرير المصير. إن ارتباط الحركة العضوي بالحسابات الإيرانية، رغم ما يوفره من دعم عسكري، قد وضعها ضمن شبكة حسابات معقدة لا تتطابق بالضرورة مع الأولويات الفلسطينية المباشرة. هذا التموضع أضعف الموقف التفاوضي الفلسطيني في لحظات تاريخية حاسمة، وجعل القرار الوطني رهينة لتجاذبات إقليمية تبدأ في طهران وتنتهي في عواصم القرار الدولي، بعيداً عن أوجاع أهلنا في غزة والقدس.
إن دول الخليج، وعلى رأسها قطر، تجد نفسها اليوم أمام معادلة في غاية التعقيد؛ فهي من جهة تسخر ثقلها الدبلوماسي لاحتواء التصعيد ومنع انفجار المنطقة، ومن جهة أخرى تجد جهودها تصطدم بسياسة إيرانية دأبت على انتهاك الاتفاقات واستغلال الشراكات لخدمة مصالحها الضيقة. إن الاستهداف الممنهج للعمق العربي، الذي يمثل تاريخياً وعملياً الدعامة الرئيسية لصمود الشعب الفلسطيني، يعكس رغبة إيرانية في إبقاء المنطقة في حالة “توتر مستدام”، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الاستمرار في الثقة بوعود إقليمية تطلق صواريخها في الاتجاه الخاطئ.
إن الاستقرار الحقيقي والمنشود لن يتحقق عبر المقامرات الإقليمية أو عبر تحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة في “بازار” النفوذ الإيراني. إن التحدي الأكبر أمام القوى الوطنية الفلسطينية اليوم هو فك هذا الارتباط الوظيفي وإعادة توجيه البوصلة نحو “المربع العربي الأصيل”. إن استعادة القرار الوطني المستقل هي السبيل الوحيد لضمان أن تضحيات الشعب الفلسطيني لن تذهب سدى في خدمة أجندات عابرة للحدود، وأن حقوقنا المشروعة يجب أن تُنتزع بإرادة وطنية تضع مصلحة الإنسان الفلسطيني فوق كل اعتبار إقليمي أو دولي.




