يتسع نطاق التباين داخل معسكر السلطة في غرب ليبيا، لينتقل الصراع السياسي من خلاف على توزيع السلطة التنفيذية إلى أزمة أسبقيات إجرائية ودستورية تجسد الانقسام الإستراتيجي حول كيفية إنهاء المراحل الانتقالية. ويكشف السجال المتصاعد بين تأييد رئيس حكومة “الوحدة الوطنية” عبد الحميد الدبيبة لمخرجات لجنة “4+4″، وتمسك رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بالاستفتاء على مسودة دستور 2017، عن معضلة صياغة الشرعية المفقودة في البلاد.
دعم الدبيبة لمسار “4+4”.. رهان على حسم المرحلة الانتقالية
الالتزام بالزمن والحلول الواقعية: أظهر الدبيبة تقاطعاً واضحاً مع اتفاق “4+4” الموقع في 30 أغسطس برعاية أممية، معتبراً أن مخرجاته تلبي رؤية حكومته لتجاوز التجميد السياسي وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية خلال مهلة لا تتجاوز 24 شهراً.
استغلال الزخم الدولي والإقليمي: يتقاطع موقف الدبيبة مع التوافقات الظرفية بين شرق البلاد وغربها، والمفاوضات التي يدعمها المبعوث الأمريكي مسعد بولس والبعثة الأممية برئاسة هانا تيتيه، عبر إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وحسم حزمة من الإشكاليات القانونية، كترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية.
رفض التدوير المؤسسي: يراهن الدبيبة على الشارع لإكساب هذا المسار شرعيته، محذراً من أي ترتيبات سياسية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الأجسام والمؤسسات القائمة أو إطالة أمد بقائها.
تمسك تكالة بمسودة 2017.. أولوية التأسيس المبدئي واستعادة المشروعية
إعادة إحياء الهيئة التأسيسية: جدد تكالة تمسكه بالمسار الدستوري الأصيل عبر لقائه رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، مراجع نوح، متمسكاً بضرورة عرض مسودة دستور 2017 المُنجزة على الاستفتاء الشعبي العام قبل الذهاب لأي استحقاق انتخابي.
التشكيك في شرعية التوافقات الفوقية: يرى المجلس الأعلى للدولة أن الاتفاقات المبرمة عبر لجان مصغرة كـ”4+4″ تفتقر للشرعية المؤسسية الكاملة وتتجاوز القواعد الدستورية النافذة، مما يتطلب العودة للإرادة الشعبية لتحديد نظام الحكم والدستور الدائم أولاً.
المحاذاة القانونية: يهدف هذا الطرح إلى الوقوف أمام صياغة تفاهمات سياسية تفرض قواعد لعبة جديدة خارج الأطر المؤسسية والتوافق بين مجلسي النواب والدولة.
مأزق “الترتيب الإجرائي” وارتدادات الأزمة
حلقة مفرغة بين الخيارين: يُعيد هذا الخلاف إنتاج الإشكال القانوني التقليدي في ليبيا؛ حيث يرى فريق أن إجراء الانتخابات عبر قاعدة مؤقتة وبدعم دولي يمثل المخرج الوحيد المتاح، بينما يرى الفريق الآخر أن إجراء انتخابات دون قاعدة دستورية مستقرة سيعيد إنتاج النزاع الطعني والسياسي حول شرعية السلطة المنتخبة.
تشتت التوافق في طرابلس: يضع تباين الرؤى داخل مؤسسات غرب ليبيا مسار “4+4” أمام عقبة اعتماد محلية حقيقية، مما يمنح بقية الأطراف مساحة المناورة لتعطيل أو اشتراط تعديلات جديدة على خارطة الطريق الأممية.
يثبت هذا الانقسام المفهومي أن المعركة السياسية في ليبيا انتقلت من مربع “الرفض المباشر للحل” إلى صراع “الأسبقية الإجرائية”؛ حيث يسعى كل طرف لفرض المسار الذي يخدم استمراريته وضمان موقعه في خريطة التوازنات القادمة، مما يبقي مسار الانتخابات مرهوناً بمدى قدرة البعثة الأممية والقوى الدولية على توهيج التوافق أو الذهاب نحو آليات اعتماد قسرية.





