في ظل تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعة الاشتباك في أكثر من ساحة، لم يعد السلوك الإسرائيلي يُقرأ كتحرك ظرفي مرتبط بردود فعل آنية، بل كجزء من عقيدة متجذرة تقوم على الحسم بالقوة وإعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية المحيطة.
الحرب التي اندلعت في قطاع غزة شكّلت، وفق قراءات تحليلية، نقطة تحول مفصلية كسرت خلالها إسرائيل القيود الدولية التقليدية، ومهّدت لتوسيع نطاق هذا النهج إلى جبهات أخرى، وعلى رأسها لبنان.
استهداف شامل للبنية المجتمعية
وتكشف التطورات الراهنة عن انتقال واضح في استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي من منطق “إدارة الصراع” إلى “حسمه”، عبر استخدام غير مسبوق للقوة، واستهداف شامل للبنية المجتمعية والاقتصادية، في محاولة لفرض معادلات ردع جديدة. وفي المقابل.
سياسات الإبادة واستهداف البيئة الحاضنة والبنى التحتية والمجتمعية، وحتى استهداف الطواقم الطبية والمرافق الخدمية، هي أدوات لم تغادر العقيدة الأمنية الإسرائيلية يوماً، لكن المتغير الخطير اليوم هو حالة “الطغيان” في استخدام هذا الأسلوب. حسب تصريحات المحلل السياسي سليمان بشارات لوكالة “صفا.
تجاوزت إسرائيل كافة السقوف والمراحل التي كانت تلتزم بها سابقاً، ولم يعد لديها أي اكتراث بالانتقادات الدولية أو المعايير القانونية والحقوقية، بل أصبحت تتعامل مع جرائمها كحق مكتسب لا كفعل يستوجب التجريم وفقا لـ بشارات.
كسر المعايير الدولية
ويوضح في قراءته للمشهد، أن الحرب على قطاع غزة كانت بمثابة “كسر للمعايير” الدولية؛ مضيفًا “أنها استطاعت من خلال حرب الإبادة في غزة أن تجعل العالم يتقبل ما هو دونها، وهو ما يفسر عدم وجود رد فعل دولي موازٍ لما يجري في لبنان.
وتابع “ما يجري لبنان يبدو في عين المجتمع الدولي أقل وطأة، مما حدث في غزة، ويشير إلى أن هذه المنهجية الإسرائيلية تسعى لترسيخ معادلة مفادها، أن الثمن الذي سيُدفع مقابل مواجهة إسرائيل سيكون باهظاً جداً وتدميرياً لأي ساحة تتجرأ على ذلك”.
وفي تحليل بشارات للتحول المنهجي في العقلية القيادية الإسرائيلية، يرى “أن إسرائيل انتقلت من مرحلة إدارة الصراع، والاحتواء إلى مرحلة حسم الصراع، والملفات بشكل نهائي”. مشيرًا إلى أن قيادة الاحتلال مدفوعة بتوجهات الشارع الإسرائيلي والمجتمع الذي بات داعماً للسياسات اليمينية المتطرفة. حسب وكالة صفا.
صانع القرار في تل أبيب أصبح يعتقد أن حسم الملفات بالقوة هو استجابة لمطلب شعبي، لدرجة أن الشارع الإسرائيلي أبدى استعداداً للتضحية بالأسرى في سبيل تحقيق هذا الحسم، وهو المبدأ الذي يتم تطبيقه الآن في غزة ولبنان، وأي ساحة أخرى يراها الاحتلال خطراً مستقبلياً يجب إزاحته بشكل كامل حسب المحلل السياسي.
تدمير النموذج المقاوم
وعن الأهداف الاستراتيجية الكبرى، يرى بشارات أن “إسرائيل تطمح للخروج من حدودها الجغرافية الضيقة لتصبح دولة إقليمية مؤثرة تعيد تشكيل المنطقة وفق رؤية نتنياهو لـ “الشرق الأوسط الجديد”. وبظن “إسرائيل”، فإن هذا يتطلب استخدام القوة لتغيير المعالم الجغرافية والديموغرافية في الدول المفصلية مثل لبنان، يقول بشارات.
ويضيف أن الهدف هو “نقل النموذج”، أي تحويل مدن لبنانية إلى نسخ من “خان يونس” كما صرح قادة الاحتلال، لخلق حالة ردع شاملة عبر تدمير النموذج المقاوم. ويشدد بشارات على أن جوهر الصراع في لبنان لا يرتبط بسلاح حزب الله فحسب، بل بالأطماع الإسرائيلية التاريخية والعقدية.
ويشير إلى بعد عقدي توراتي خطير، حيث يعتبر اليمين المتطرف والمجتمع الإسرائيلي أن الجنوب اللبناني هو جزء من “أرض إسرائيل” وفق معتقداتهم، مما يجعل من المواجهة الحالية وسيلة لاستكمال أطماع جغرافية ودينية تتجاوز الحدود السياسية المعروفة.





