يقدم الفيلم الوثائقي «نازة» رواية مختلفة للحرب في غزة، من خلال سلسلة من الشهادات التي يسعى مخرجا الفيلم، يوفال أبراهام وراشيل زور، إلى تركيبها في صورة تكشف ــ بحسب الفيلم ــ الآليات التي رافقت العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع.
وبعد نحو عامين من فيلم «لا أرض أخرى»، يعود أبراهام وزور إلى القضية الفلسطينية من زاوية أكثر التصاقاً بشهادات المشاركين في العمليات العسكرية، مستندين إلى مقابلات وأرشيفات، وإلى أسلوب إخراجي هادئ يترك الشهادات في مقدمة المشهد.
24 شهادة.. وغياب الاعتراف بالندم
على قمة ناطحة سحاب في تل أبيب، يجمع الفيلم 24 شهادة لأشخاص شاركوا بدرجات مختلفة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
لكن هذه الشهادات لا تأتي في شكل اعترافات تقليدية. فخلال نحو 80 دقيقة، يحاول الفيلم تفكيك ما يصفه بأنه مسار منظم وحميم في الوقت نفسه، يبدأ من الأوامر العسكرية وينتهي بالعمليات الميدانية وما خلّفته من آثار.
واللافت في الشهادات، وفق الرواية التي يقدمها الفيلم، أن معظم المتحدثين لا يبدون شعوراً واضحاً بالندم، الأمر الذي يدفع العمل إلى التركيز ليس فقط على ما حدث، وإنما على الطريقة التي جرى بها اتخاذ القرارات وتنفيذها.
شهادات بلا أسماء ولا وجوه
اختار صناع الفيلم عدم الكشف عن هوية الجنود الذين يظهرون في المقابلات. فلا أسماء واضحة، ولا وجوه، كما تبقى بعض التفاصيل المتعلقة برتبهم وأعمارهم وأدوارهم الدقيقة غير معروفة.
هذا الخيار يضع المشاهد أمام سؤال أساسي: إلى أي حد يمكن التحقق من الشهادات عندما تغيب عنها التفاصيل التي تسمح بتحديد أصحابها ومواقع الأحداث وتواريخها؟
منتقدو الفيلم ركزوا تحديداً على هذه النقطة، معتبرين أن الشهادات، في غياب تحديد واضح للزمان والمكان والهوية، لا تكفي وحدها لإثبات كل الوقائع والجرائم التي يرويها الفيلم.
من البندقية إلى الجدل في إسرائيل
عرض الفيلم في مهرجان البندقية السينمائي أثار جدلاً واسعاً، ليتحول العمل من مجرد فيلم وثائقي إلى موضوع نقاش سياسي وأمني داخل إسرائيل.
ووفق الرواية الواردة حول الفيلم، تعاملت الحكومة الإسرائيلية مع العمل ومخرجيه بقدر كبير من الحساسية، فيما رأى منتقدون أن الفيلم يقدم اتهامات خطيرة اعتماداً على شهادات مجهلة يصعب التحقق المستقل من تفاصيلها.
في المقابل، يقوم البناء الأساسي للفيلم على فكرة أن الشهادات المتعددة يمكن أن تكشف، عند وضعها جنباً إلى جنب، نمطاً من السلوك والقرارات يتجاوز الرواية الفردية لكل مشارك.
بين الشهادة والتوثيق
لا يقدم «نازة» نفسه، وفق المادة المتاحة عنه، كتحقيق قضائي تقليدي يجمع وثائق وأسماء وأماكن وتواريخ لكل واقعة، بل يعتمد بصورة أساسية على الشهادة الشخصية والتركيب السينمائي والأرشيف.
وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الفيلم إثارة للجدل: فبينما يرى صانعوه أن تكرار الشهادات وتقاطعاتها يساعد في الكشف عن آليات أوسع للحرب، يشدد منتقدوه على ضرورة إخضاع كل شهادة للتحقق المستقل قبل تحويلها إلى دليل على واقعة محددة.
فيلم عن الآلية أكثر من الحدث
بعيداً عن الجدل السياسي والقانوني الذي رافق عرضه، يحاول «نازة» نقل النقاش من سؤال «ماذا حدث؟» إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف تصبح بعض الأفعال العسكرية ممكنة داخل مؤسسة تضم آلاف الجنود والضباط؟
ومن خلال شهادات مجهلة ولقطات أرشيفية وإخراج متحفظ، يسعى الفيلم إلى إعادة بناء هذه الآلية من الداخل، واضعاً المشاهد أمام روايات المشاركين أنفسهم، من دون تقديمهم بالضرورة باعتبارهم نادمين على ما فعلوه.
ومع اقتراب طرح الفيلم في دور العرض، يبقى الجدل حوله مرتبطاً بمسألتين متوازيتين: قوة الشهادات التي يقدمها، وحدود قدرتها على إثبات الوقائع التي تتناولها من دون معلومات مستقلة تحدد الزمان والمكان والمسؤوليات بدقة.






